عادات اجتماعيَّة متوارثة حرجٌ أن تذكر اسم أمك وزوجتك

منصة 2024/04/24
...

 بغداد: نوارة محمد


أسرع الشاب الذي أوقف شعر رأسه مثل عرف ديك مقتربا من نافذة المكتب، وبعد أن التفت يمينا وشمالاً رّد على الموظفة التي طلبت اسم والدته:

-  اسمها صبرية.  

قالها بصوت خفيض ظنا منه أننا لن نسمعه. لم يفهم أحدٌ مِنا لماذا توتر الشاب حين سألته الموظفة مرة أخرى إن كان متزوجا أم لا، وما أسم زوجته، ولما راح يومئ إليها بشفتين مزمومتين كي تخمن الاسم وهو يعاود ذلك بصوت أقرب الى الهمس، لم نفهم بعدها ما المُعيب في أسم الأم و الزوجة والأخت.

يقول أحمد عطا الله إن: الألقاب التي يطلقها الرجال على زوجاتهم أو أمهاتهم أو بناتهم كثيرة ومما شاع في العقد الأخير "الجماعة" أو "البيت" أو "أم العيال" أو "الحاجة" وأحيانا أخرى "رضيعتي" في إشارة إلى الأخت أو "خادمتك" الاسم الذي يطلقه الآباء على بناتهم تجنباً لِذكر أسمائهن. ويبدو أن كثيرون يعدون مناداة السيدات سواء كانت زوجات أو أمهات بأسمائهن شكلًا من أشكال انتقاص الرجولة وهم يعتبرون أن الاسم عورة أيضا. 

 ويضيف عطا لله، وهو أستاذ جامعي: لكن هذه الثقافة المستشرية تتباين بحسب التفاوت المناطقي والمجتمعات، التي تتأثر بذلك غالبا ما تكون بين ذوي الطبقة المتوسطة أو الفقيرة والتي لا تزال محكومة بالعادات والتقاليد المتزمتة، وهي تفتقر بشكل كبير إلى التمدن وكذلك إلى الأفكار التحررية.

 الأمر لم يقف عند هذا الحد ففي مجتمعنا وعموم المجتمعات العربية صار البعض يميل إلى استبدال اسم العروس في بطاقات دعوات الزفاف بكنية "كريمته" وفي أغلب الأحيان يُكتب في لافتات العزاء زوجة فُلان وأخت فلان، ووالدة فُلان، على ألا يُذكر اسمها.

من جهته، يقول الباحث والأكاديمي الدكتور خالد كريم حنتوش: قد يعتبر البعض أن هناك خصوصية لا يجب اطلاع آخرين عليها، لكن الأمر مستهجن عندما يشار الى اسم متوفاة بالقول إنها فقط ابنة فلان أو زوجة فلان من دون التطرق إلى اسمها الخاص المسجل منذ لحظة ولادتها في سجل الأحوال المدنية. 

في المقابل، تقول إقبال موسى وهي حقوقية وناشطة مدنية: في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين ما زال بيننا من يخجل أن ينادي زوجته باسمها، كما لو أن الأمر مُشين، إلى اليوم لا تزال المشاجرات بين المراهقين تصل إلى حد الضرب والإيذاء الجسدي، والسبب هو السؤال عن اسم الأم أو ذكر اسم الأخت. وفي محاولة لكسر الموروثات المحظورة قُمنا أنا وزميلاتي من الناشطات المدنيات بإطلاق حملة تُدعى "اسم امك .. فخر لك" مثلما حدث في منظمة الأمم المتحدة للمرأة، التي تعنى بالمساواة بين المرأة والرجل وبتمكين المرأة في المجتمع والدفاع عن حقوقها، إلى اطلاق حملة "أعد لأمك اسمها".

أما أحمد كمال، وهو أحد طلاب كلية الهندسة فيقول: لسنا خجولين من ذكر اسماء أمهاتنا لكننا منذ أن ولدنا كّبرنا وجدنا آباءنا وأخوتنا يعدون ذلك أمراً في غاية الخصوصية، وأدركنا أننا مجبرون على التماشي مع العادات والتقاليد، لاسيما إننا نواجه أصنافا من الشباب يجدون أن ذلك حالة تفسح المجال للآخرين للتقليل من شأنهم أو تحقيرهم بذكر "أبن فلانة". 

في المقابل فإن كثيرين من شباب الجيل الجديد عّبروا عن اعتزازهم بأمهاتهم، ولم يشعرهم ذلك بالخجل مثلما فعل سجاد كريم، الذي عرفه العالم وأصدقاؤه بـ "سجاد ابن فاطمة"، الذي نشر عبر حسابه على الـ "فيسبوك": "أمي فاطمة العظيمة، سبب وجودي في هذا العالم"، مؤكدا أن في ذلك رسالة للعالم الشرقي، الذي تحكمه عادات متخلفة وتقاليد همجية أن يستحوا من ذكر أسماء أمهاتهم، متذكرا علاقته مع والدته الراحلة.