زيلينسكي الذي رأى

الصفحة الاخيرة 2025/03/04
...

د. علاء هادي الحطاب 


ربما تمنى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وهو داخل البيت البيضاوي محاطا بالرئيس الامريكي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس بأنّه يحلم، وأن ما يحصل ليس حقيقة، بل الحقيقة تكمن في أنّه سينتصر لاحقا وأن سقطت الجبال فوق رأسه، وأن سينجو من خمبابا الذي كانت ناره موتاً محققاً لمن يواجهها.

موقف زيلينسكي أبان زيارته إلى البيت الأبيض وما حصل من جدل وجدال وصل حتى إلى ملابسه التي يرتديها، جعل الرأي العام منشغلا بها ومحللا سلوك الزائر والمزار ولغة الجسد فيها، اذ جاء الرجل متوقعا استمرار الدعم الامريكي في حربه مع روسيا، واذا به يواجه إصرار على اِتمام صفقة معادن كبيرة طلبتها إدارة ترامب مقابل هذا الدعم، وليس هذا فقط ما شغل الرجل والرأي العام معا، بل ما شغله طريقة تعاطي الإدارة الامريكية في الوصول إلى هكذا اتفاق ستراتيجي طويل الأمد، اذ جاءت هذه الصفقة بطريقة الفرض لا التفاوض، وبطريقة الرابح والخاسر، لا الرابح الرابح. 

هجوم إدارة البيت البيضاوي على زياينسكي وأمام وسائل الإعلام دون اكتراث لاي معنى للدبلوماسية التي من المفترض أن تحكم سلوك هكذا لقاءات بين رئيسين لدولتين مستقلتين عن بعضهما، جعل الإدارة الامريكية أكثر من زيلينسكي في حرج بشأن مستقبل العلاقة بين امريكا والعالم.

إن سلوك رجلا البيت الأبيض كان بعيدا كل البعد عن احترام زيلينسكي ومكانته، فهو بالتالي جاء ليمثل دولة وشعبا، وإن كان فعلا لا يملك أوراقاً كثيرة للتفاوض مقابل حصوله على استمرار الدعم الامريكي بلا مقابل، لكن كان بالأمكان اتمام الصفقة او جزء كبير منها دون تعريض الرجل إلى تلكم الاهانة التي تلقاها أمام وسائل الإعلام والتي أبرزت منهجاً جديداً في تعاملات الدول مع الولايات المتحدة الامريكية.

نعم الدول تبحث عن مصالحها، ولا تقدم دعماً مجانياً بلا مقابل، لكن ولأجل اِتمام مصلحية العلاقة بين الدول وجدت الدبلوماسية بعدّها وسيلة ناجحة في ترجمة انفاذ المصالح وفق قاعدة رابح رابح، لا وفق قاعدة مبتز رابح مقابل مضطر خاسر، فاليوم سيتجنب أغلب رؤساء الدول دخول البيت البيضاوي ليس فقط لإجراء حوار معين، بل حتى لمجرد الزيارة، وما حصل في زيارة العاهل الأردني وسلوك ترامب وإدارته معه، ثم لاحقا ذات السلوك وأشد مع الرئيس الأوكراني، سيجعل من أوروبا تحديدا والعالم عموما يتجنب أصل مقابلة تلك فضلا عن الدخول معها في حوارات ومشاريع. 

العالم يدرك جيدا أن ما تحصده الدبلوماسية أكثر وأفضل بكثير مما تحصده الحروب والمهاترات.