الحنفي في حكاية رمضانيًّة

الصفحة الاخيرة 2025/03/05
...

زيد الحلي

في مثل هذا اليوم من  عام 2006، غادر الحياة الباحث والراوي البغدادي الشيخ جلال الحنفي. وفي رحيله، فقدنا شخصية رمضانية استثنائية، فقد كان الرجل أيقونة فولكلورية وثقافية، وكانت ذكرياته الرمضانية في بغداد وأزقتها تحمل مكانة رقراقة في نفوس العراقيين، ولا سيما أهل بغداد. فالكبير فيهم يستعيد في أحاديثه فتوته وشبابه وعادات رمضان وألعابه الشعبية التي اندثرت في السنين اللاحقة، فيما يستمتع شباب الجيل الجديد بروايات وقصص آبائهم وأجدادهم عن كيفية إحيائهم لأيام رمضان بطقوس شعبية لم يعد لها وجود اليوم، سوى في الصور وتماثيل المتحف البغدادي.

لقد كان طعم الأيام الرمضانية في السنين الخوالي عندي أحلى وأجمل، بصورها وطبيعتها وسحرها، وكان الشيخ جلال الحنفي أبرز من يضفي على رمضان عبقًا بغداديًا لا يُضاهى. وأشعر أن رمضان دون الحنفي، كملعقة سكر "دايت" في قدح شاي لا أكثر!

لن أنسى يومًا جولة رمضانية في بغداد، صحبني فيها الحنفي منتصف تسعينيات القرن المنصرم. كانت جولة لا يكفيها كتاب، فقد ظل الحنفي يمشي في أزقة بغداد القديمة، في الكرخ والرصافة، وأحيانًا كنا نستعين بمركبتنا الخاصة. وحين أحس بالتعب، توقف عند جامع الخلفاء الذي خدم فيه لعقود، ووقف هناك والحيرة تملؤه بين ماضٍ ولى وحاضر ترسمه أطلال المكان.

خلال تلك الجولة، التي لا تزال مترسّخة في ذاكرتي، وجدت أن الحنفي يعرف كل ما يخص بغداد وأهلها ورمضانها. وعندما أقول "كل" فإنني أعني الكلمة وأعرف مدلولها اللغوي، إذ لم أسأله عن شيء يتعلق ببغداد أو بأي ظرف مرت به منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى سنة جولتنا، إلا وأجابني عنه بتفصيل وافٍ. لم يكن يعترف بالزمن، بل كان يراه حالة من واقع الحال، لا ينبغي الخوف منه أو التعامل معه بحذر، وكثيرًا ما كان يردد أمامي بصوته المعروف: "أتركوا الزمن خلفكم، وإذا لم تفعلوا ذلك فسيسبقكم ويلف حباله حول رقابكم!"