موائد إفطار بعيدة عن رمضان

الصفحة الاخيرة 2025/03/12
...

زيد الحلي 


ما أسرع الأيام ..

ها نحن على مشارف النصف الثاني من شهر رمضان المبارك، أيامه التي مضت وأيامه المقبلة كلها فرح؛ فهو جابر للقلوب، ساتر للعيوب، ماحٍ للذنوب، مفرّج للكروب. كأني أسمعه يقول لنا: افتحوا خزينة قلوبكم...احذفوا، رتّبوا، سامحوا، اغفروا، وتجاوزوا كل أخطاء الماضي.

ومع نهارات هذا الشهر، تعود بي الذاكرة، عارضةً على شاشتها ما يؤكد أن الواقع المجتمعي الحالي ليس ببراءة وجمال سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، حين كان المجتمع العراقي يضم ثلاث طبقات: الأولى، طبقة الفقراء المدقعين من ساكني الصرائف والأكواخ، يمثّلهم العامل والفلاح وصاحب الأجر اليومي ومن هم بمستواهم.

الثانية، الطبقة الوسطى، وهي الأكثر عددًا، وتضم الموظفين من مدنيين وعسكريين وأصحاب المهن الشعبية ومن على شاكلتهم. أما الثالثة، فهي الطبقة العليا، المكوّنة من التجار والمتنفذين وأصحاب الحظوة، وهم قلة نعرفهم من أسماء عوائلهم ومواقعهم. أما اليوم، فقد تقلّص المجتمع إلى فئتين فقط: فقراء معدمون وأصحاب رواتب لا تكفي أسبوعًا، بما فيهم من يحملون ألقابًا مثل "مدير" أو "رئيس ملاحظين"، حيث تستنزف متطلبات الحياة، من دراسة أهلية ومولدات وغيرها، مواردهم بشكل صارخ. أما الفئة الأخرى، فهي أصحاب الأموال والنفوذ الذين تكاثروا بشكل عجيب، فضاعت بذلك الطبقة الوسطى، وهي عمود 

المجتمع.

لست بطرانًا إن دعوت إلى تحقيق فكرة التكافل الاجتماعي كمنهج حياة، من خلال تعزيز التعاضد المجتمعي، ولاسيما لفئة الناس البسطاء. فليس الثراء والفقر ما يجعلنا سعداء أو تعساء، بل إن فقدان الشعور بالآخر هو الداء الخطير. فالغني البخيل هو أفقر من متسوّل، وأجد أن الفقراء الذين يتبادلون المحبة وينعمون براحة الضمير هم الأغنياء الحقيقيون.

هي دعوة أوجّهها إلى عبَدة المال والجاه، خصوصًا فئة أصحاب النفوذ، أن يتواضعوا حتى يتمكّن البسطاء من العيش بيسر وطمأنينة. فأخبار ولائم الإفطار وصور البذخ فيها، والقصور التي تُجرى فيها اللقاءات التلفزيونية، باتت تؤذي مشاعر الناس!

آمل أن وصلت رسالتي.