نرمين المفتي
قالت (هيئة البث العبرية) نهاية الأسبوع المنصرم ان “وفدا يضم نحو 100 شخصية من الطائفة الدرزية في سوريا يزور إسرائيل للمرة الأولى منذ 52 عاما” جاءت هذه الزيارة بعد أيام معدودة من أعمال العنف التي استهدفت الطائفة العلوية في سوريا، وانتهت بمئات من الضحايا المدنيين، فضلا عن اشتباكات كادت أن تتحول إلى حرب داخلية طائفية. واندلعت بعدها بأيام معدودة ايضا اشتباكات حدودية بين سوريا ولبنان لا تخلو من رائحة طائفية.
المثل العراقي البليغ جدا (عرب وبن طنبورة وين) ينطبق تماما على الوضع العربي، اذ أدخلتهم الجيوش الإلكترونية للنازيين الجدد في حرب على مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات، بسبب مسلسل (معاوية) ليمعنوا بتنفيذ مخططاتهم ويهدد رئيس أركانهم سوريا من قمة جبل الشيخ قائلا بأنهم يرون تحركاتهم كلها ويراقبونها وسيدافعون عنّ الدروز! نجزم، أنا وغيري من الذين يراقبون الوضع في المنطقة منذ سنوات، أن لا مستفيد من المواجهات الطائفية إن كانت مذهبية أو عرقية أو قبلية في المنطقة العربية، سوى الكيان الصهيونى واساسا لا تغذي هذه الطائفية ومنذ وعد بلفور المشؤوم غير الصهيونية العالمية وتستمر سياسة (فرق تسد) والعرب يصرون على عدم قراءة التاريخ كي لا تتكرر الأخطاء المهلكة.. والمعروف أن المنطقة العربية كانت ولا تزال ساحة للصراعات الطائفية المخطط لها جيدا لتصبح بيئة خصبة لاستراتيجية قديمة تتبعها (إسرائيل)، ومن يدعمها لجعلها مركز الشرق الأوسط الجديد، عبر تحقيق مشروع “إسرائيل التوراتية”. هذه الاستراتيجية ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى عقود طويلة، حيث سعت الحركة الصهيونية، وكما اسلفنا، منذ وعد بلفور 1917 إلى استغلال الانقسامات الداخلية في الدول العربية، لتحقيق أهدافها. يرتكز المشروع الصهيوني على فكرة “إسرائيل الكبرى” أو “إسرائيل التوراتية”، وهو مفهوم ديني وسياسي يستند إلى تفسيرات صهيونية لبعض النصوص الدينية، التي تحدد حدود (إسرائيل) بين نهر النيل في مصر ونهر الفرات في العراق. وقد جاء في التوراة “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات” (سفر التكوين 15:18). هذا التصور ليس مجرد فكرة دينية، بل هو مشروع سياسي تسعى (إسرائيل) لتحقيقه عبر إضعاف الدول العربية المحيطة بها، والتأكد من أنها لن تكون قادرة على تشكيل تهديد لها في المستقبل. كما قال شمعون بيريز، الرئيس الصهيوني الأسبق “إن اتفاقيات السلام مع الدول العربية ليست كافية، يجب أن نتأكد أن هذه الدول لن تكون قوية في المستقبل، وهذا يتطلب إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، مؤكدا على قول دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء للكيان “يجب أن نعمل على تقسيم الدول المجاورة إلى كيانات صغيرة تعتمد علينا للبقاء وإن قوتنا ليست في سلاحنا النووي، بل في قدرتنا على تفكيك العالم العربي وتحويله إلى طوائف متناحرة”. ولا ننسى إشارة جيورا إيلاند، مستشار الأمن القومي (الإسرائيلي) الأسبق إلى أن “تفكيك سوريا والعراق إلى كيانات طائفية وعرقية هو الحل الوحيد لضمان استقرار إسرائيل”. وكان المفكر الصهيوني أوديد ينون نشر في 1982 وثيقة بعنوان “استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات”، والتي تُعرف باسم “خطة ينون”، وجاء فيها إن “تفكيك الدول العربية إلى وحدات عرقية وطائفية صغيرة هو المفتاح لبقاء إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة”. وأوضح في الوثيقة أن الدول العربية المحيطة بإسرائيل يجب أن يتم تفتيتها إلى دويلات صغيرة قائمة على أسس طائفية وعرقية، حتى لا تشكّل أي تهديد لإسرائيل في المستقبل. يحاول الكيان تقديم نفسه كحامٍ للأقليات العرقية والدينية ومنها الدروز، لإظهارها بمظهر “الدولة الديمقراطية” التي تحمي حقوق الأقليات في المنطقة. إلا أن هذا الادعاء ليس إلا غطاءً لتحقيق أهداف سياسية وأمنية، من بينها خلق شرخ بين الدروز وباقي المكونات العربية من خلال دفع بعض الزعامات الدرزية إلى التقارب مع الكيان، كما حدث في الزيارة الأخيرة لوفد درزي سوري، في محاولة لجعل الطائفة الدرزية، تبدو وكأنها متحالفة مع إسرائيل من جهة، ومن أخرى استخدامهم كسلاح صد بيئتها العربية، فالذين في داخل المباني يُجبرون على الخدمة في الجيش الصهيوني، ويُدفعون استغلالهم في الحروب ضد الفلسطينيين والعرب. والخطة الواضحة هي في إضعاف سوريا ولبنان عبر دعم قوى درزية معارضة للدولة المركزية، مما يسهم في إطالة أمد الصراع الداخلي. وهنا لا بد ان نشير إلى نظرة الكيان للأقليات في المنطقة، اذ قال موشيه ديان، وزير الدفاع الصهيوني الأسبق، إن “العرب قبائل متناحرة، وسيبقون كذلك، علينا أن نشجع هذا الانقسام ونعمّقه”. لم تكن إسرائيل وحدها في هذا المشروع، بل دعمتها قوى غربية كبرى، حيث قال هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق إن “من يسيطر على النفط يسيطر على الأمم، ومن يسيطر على الغذاء يسيطر على الشعوب، ومن يسيطر على تقسيم الشرق الأوسط يضمن أمن إسرائيل لعقود.”كما وضع المفكر الأمريكي برنارد لويس، الذي ارتبطت أفكاره بالسياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، خطة لتقسيم الدول العربية، مؤكدا أن “العرب والمسلمين لا يمكن حكمهم ككتلة واحدة، ويجب تفتيتهم إلى مجموعات صغيرة متناحرة، على أساس طائفي وعرقي، حتى يبقى كل طرف منهم بحاجة لنا”. لا بد للعرب أن يتيقنوا ولو متأخرين أن (إسرائيل) لا تعمل فقط من أجل البقاء كـ(دولة) في المنطقة، بل تسعى إلى تحقيق مشروعها التوسعي عبر تفتيت الدول العربية وإثارة النزاعات الطائفية والعرقية، لضمان بقائها القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، ولا بد أن يعيدوا النظر بسياساتهم الداخلية بالابتعاد عن الخطاب الطائفي، والعمل استنادا اليه والخارجية خاصة وأنهم يملكون ثروات طبيعية هائلة تحتاجها دول الغرب، فضلا عن موقعها الجغرافي المهم وكونها أرضا للديانات السماوية التوحيدية،. وحتى انتباه العرب، سنستمر نسمع في تصريحات الصهاينة سواء داخل الكيان أو الصهاينة من المسؤولين الغربيين عن مشروع “إسرائيل التوراتية”، الذي يهدف إلى تحويل المنطقة إلى كيانات ضعيفة ومجزّأة، لا تشكّل أي تهديد على الكيان، بل تكون خاضعة لها بالكامل.