أحكام نزع ملكية العقار قضائياً

العراق 2019/07/29
...

القاضي ناصر عمران الموسوي
قد يبدو موضوع الاستملاك بشكل عام والذي يعني اصطلاحاً حرمان المالك من ملكه جبراً للمنفعة العامة لقاء تعويض عادل عن ما يناله من ضرر ، لا يجد ُ الكثير من التطبيق بسبب ظاهرة التجاوزات على الاراضي والعقارات المملوكة للدولة والتي صارت تشكل معضلاً حقيقياً بحاجة الى حل عاجل فالتجاوزات على الاراضي الزراعية والشوارع والطرقات والمباني المملوكة لدوائر الدولة وانتشار كبير للعشوائيات التي يشكل مظهرها  وحياة اهلها صورة سلبية ومؤلمة لبلد يسعى الى ان يكون الدستور دليله وعقيدته والنظام الديمقراطي منهجه واسلوب ادارته، فكرامة وحرية المواطن الزام دستوري وقانوني مع الالزام الاخلاقي والانساني ، واستشراء هذه الظاهرة بعد مرحلة التغيير والنظر لها بثنائيات متعددة، يجد فيها المتجاوز ممارسة واستحصال حقوقه المهدورة من قبل النظام السابق  تجاوزاً، هو ردة فعل على ما تحمله وقاساه من ظلم وجور وبالمقابل  ترى السلطة بانها ظاهرة  اوجدتها اشكالات التحول من الانظمة الدكتاتورية الى النظام الديمقراطي وأياً  تكن الرؤية،  فان الامر يشير الى عجز ووهن حقيقيين في ايجاد حلول امام ظاهرة تتنامى بالرغم من الاجراءات القانونية المتخذة بإزالة التجاوزات وتطبيق العقوبات القانونية على المتجاوز فأمام كل هذا التجاوز على العقارات المملوكة للدولة والتي تحاول جاهدة استردادها او معالجة اوضاعها تشريعياً يأتي الحديث عن قيام السلطة العامة  بحرمان المالك من ملكه جبراً للمنفعة العامة مع ان الدستور في المادة (23) منه اعتبر الملكية الخاصة مصونة ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها، في حدود القانون. وحسب الفقرة اولا ً من المادة المذكورة ، لكن الواقع العملي ليس كذلك فالاستملاك  وضع قانوني تظهر فيه حيوية وقوة السلطة وانفاذ القانون لتحقيق المنفعة العامة بمقابل تعويض عادل للمستملك منه وهي معادلة وموازنة اوجدها المشرع بين المنفعة العامة وحق الملكية فأباح استملاك  الملكية  لمصلحة النفع العام  لقاء تعويض عادل  ومنع نزع الملكية الخاصة للافراد مطلقا ً الا لأغراض المنفعة العامة مقابل تعويض عادل وحسب الفقرة (ثانياً) من المادة الدستورية المذكورة على ان ينظم ذلك بقانون  واستناداً للمادة  (130) من الدستور والتي تنص (تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها، ما لم تُلغ أو تعدل، وفقاً لأحكام هذا الدستور) فان قانون الاستملاك رقم 12 لسنة 1981 المعدل هو القانون المنظم لحالة نزع الملكية والاجراءات القانونية الخاصة بالاستملاك ولقد سجّلت دعاوى الاستملاك أدنى مستوياتها بسبب  حالة التحول الديمقراطي وما رافقه من اسقاطات سلبية اثرت بشكل واضح في اداء الحكومات المتعددة والاوضاع الاقتصادية مع قصور واضح في ثقافة بناء الدولة والمؤسسات، اضافة  للتحديات الكبيرة ومن اهمها الحرب على الارهاب ، والاستملاك طلب يقدم من قبل (المستملك) لنزع ملكية عقار او الحقوق المتعلقة به بالنفع العام لقاء تعويض عادل”. والتعريف لقانون الاستملاك السابق رقم 54 لسنة 1970 والطلب يقام من قبل دوائر الدولة بمختلف أشكالها ولا يقام من قبل 
الافراد . ولم يأت القانون الحالي قانون الاستملاك رقم 12 لسنة 1981 المعدل بتعريف للاستملاك كسابقه  ويتم تقسيم الاستملاك إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول هو الرضائي، ويكون هذا الاستملاك بناء على اتفاق الطرفين وهم طالب الاستملاك وصاحب العقار، واذا كان العقار شائعا وجب موافقة جميع الشركاء على هذا الاستملاك ويكون مقابل مبلغ مالي يتفق عليه الطرفان وحسبما نصت عليه اجراءات التطبيق في المواد (4، 5 ،6 ،7 ،8 ) من قانون الاستملاك. 
اما النوع الثاني فهو الاستملاك الإداري فاذا كان  العقار أو الحق العيني المطلوب استملاكه عائدا للدولة (عدا الأوقاف) يتحدد التعويض  باتفاق الطرفين أي يكون هنا المستملك دائرة من دوائر الدولة والمستملك منه أيضا أحد دوائر الدولة ويتحدد التعويض حسب الاتفاق بين الطرفين، أما اذا لم يتفقا فان الوزير المختص يفصل بذلك اذا كانت الدائرتان طرفا الطلب تابعتين لوزارة واحدة،  أما إذا كان المستملك دائرة من دوائر الدولة  والمستملك منه أيضاً دائرة من دوائر الدولة ولكن كل واحدة منهما تتبع لوزارة  فان مجلس الوزراء يفصل بذلك، وحسب ما رسمت اجراءاته القانونية المواد (22 ، 23 ، 24 ،25) من قانون الاستملاك المذكور اما النوع الثالث فهو الاستملاك القضائي الذي يتم عن طريق القضاء والذي رسمت اجراءاته القانونية المواد (12،11،10 ،16،15،14،13) ويكون بموجب الطلب الذي يقدم من قبل احدى دوائر الدولة إلى محكمة المحل الذي يقع فيه العقار المراد استملاكه كلا أو جزءاً يحدد فيه المساحة المطلوب استملاكها وموقعها واسم المالكين او الحائزين” ووجهة تقديم الطلب هي محكمة البداءة التي يقع العقار او الحق العيني ضمنها ، أما إذا كان المستملك منه أكثر من واحد او كان بينهم متوفى فيجوز للمحكمة تبليغ احدهم ودعوة الباقين عن طريق الإعلان بصحيفة محلية يومية واحدة بموجب أسمائهم الواردة في آخر سجل للعقار ويعتبر ذلك تبليغا للشركاء كافة وورثة المتوفين منهم ايضا ً ويرفق مع عريضة الطلب نسخة من آخر قيد للعقار مع خارطة مصدقة مؤشر عليها المساحة المطلوب استملاكها وكذلك تقديم البيانات الخاصة بالمطلوب الاستملاك منهم اي مالكي العقار وعناوينهم او عنوان احدهم على الاقل وبعد ذلك يتم تسجيل الطلب من قبل المحكمة ويتم تحديد موعد للنظر في الطلب خلال عشرة ايام”  وتجري المحكمة الكشف لغرض تقدير التعويض من قبل هيئة و الهيئة تتكون من قاضي محكمة البداءة وعضوية كل من رئيس دائرة التسجيل العقاري أو من ينوب عنه من معاونيه وبحضور ممثل عن المستملك وممثل عن المستملك منه فان تعددوا ولم يتفقوا على انتخاب من يمثلهم او كان بعضهم غائبا، فتقوم المحكمة بتنصيب خبراء قضائيين عنهم لغرض تقدير قيمة العقار لتعويض صاحبه ونقل ملكيته. وقد وضع القانون ضمانات مهمة للمستملك منه في المادة (61) من القانون (تكون القرارات النهائية والاحكام الصادرة بموجب هذا القانون قابلة للتمييز لدى محكمة الاستئناف خلال (خمسة عشر يوماً) من اليوم التالي لتفهيم القرار ان كانت وجاهية وتبليغها ان كانت غيابية. 
ان قانون الاستملاك رقم 12 لسنة 1981 المعدل لم يكن بلحاظ المشرع بعد ان اخذت ظاهرة التجاوزات على الاراضي وعقارات الدولة والبحث عن حلول لها جل اهتمام السلطتين التشريعية والتنفيذية ونرى من الضروري تشريع قانون للاستملاك يواكب التطور ويعزز الضمانات القانونية لصيانة حق الملكية بنوعيها العامة والخاصة ويكون الاستملاك الرضائي هو الاصل وان يترك قرار الاستملاك للقضاء تحقيقا ً لمبدأ الفصل بين السلطات وباعتبار القضاء محورا مفصليا ضامنا ومحققا للنص الدستوري والقانوني وتشريع قانون للاستملاك يكون المرجع لجميع حالات نزع الملكية للنفع العام والغاء اعطاء الحق بنزع الملكية في القوانين الاخرى  والغاء صلاحية الجهات الادارية  وتوسيع الضمانات القانونية بإعطاء  جهاز الادعاء العام دوراً مهماً وحيوياً في دعاوى الاستملاك، كونه الممثل القانوني للحق العام .