مرض الرؤساء!

الصفحة الاخيرة 2020/04/02
...

 جواد علي كسّار
 
يذكر الطبيب الروسي البروفيسور يفغيني سازوف في كتابه: «الصحة والسلطة»، أنه تلقى اتصالاً هاتفياً من القائد السوفييتي برجنيف نفسه، يطلب العناية الصحيَّة بصديق مهم مريض للغاية، وذلك في أوائل حزيران 1968م، وما كان هذا المريض سوى جمال عبد الناصر، ليبدأ قصة علاج سريَّة دامت سنتين، امتدّت على ثلاث رحلات علاجيَّة على الأقل.
بعيداً عن الجانب الصحي كان أبرز ما أكدته مذكرات سازوف، هو طوق السريَّة والتكتّم الشديد الذي فرضته القاهرة وموسكو، والحرص على ألا يتسرّب خبر مرض عبد الناصر إلى مخابرات الدول الغربيَّة وبعض مخابرات الدول العربيَّة، بل حذّر برجنيف الطبيب سازوف ألا يخرج خبر وجود عبد الناصر ومرضه، حتى إلى أعضاء المكتب السياسي السوفييتي وبقية القيادات! بتاريخ 6 حزيران 1968م كان عبد الناصر بين يدي رئيس الإدارة الرابعة في وزارة الصحة المرتبطة بالكرملين مباشرة، ومن طرائف هذه الرحلة السرية أنَّ عبد الناصر اصطحب معه ياسر عرفات باسم مستعار هو «أمين» وبصفة مستشار فني لكي يعرّفه إلى القيادة السوفييتية. مما يذكره سازوف أيضاً أنَّ قراراً اُتخذ على أنْ يخضع عبد الناصر إلى فترة علاج طبيعي بالمياه المعدنيَّة الدافئة في إحدى مدن جورجيا، على أنْ يتولى رجال المخابرات السوفييتية تأمين سريَّة وجوده، وعندما وصل سازوف إلى المدينة قبل أربع ساعات من وصول عبد الناصر، ذهب إلى السوق لينظّف حذاءه، فما كان من ماسح الأحذية العجوز ، إلا أنْ أومأ برأسه وقال لسازوف بنبرةٍ خافتة: «تبدو لي رجلاً طيباً، لذلك سأقول لك سراً، بأنك تستطيع الوقوف على ناصية الميدان، وسترى عبد الناصر يدخل المدينة في الساعة الثانية عشرة» من دون أنْ يعرف طبعاً أنَّ من يتحدّث إليه هو المشرف على علاج عبد الناصر، والأهمّ أنه رئيس الإدارة الرابعة المرتبطة بالمخابرات مباشرة!
بعد ذلك بعشر سنوات تكرّرت القصة نفسها، لكنْ هذه المرّة مع رئيس عربي آخر هو هواري بومدين، وقد بدأت الواقعة باتصال من رئيس الوزراء ألكسي كوسيغين في أيلول 1978م، أخبر سازوف بأنَّ الرئيس بومدين استقلّ الطائرة في طريقه إلى موسكو للعلاج برحلة سريَّة، فدهش الطبيب لأنَّ ذلك حصل فجأة من دون مقدّمات.
كشفت الفحوصات الطبية عن أنَّ إصابة بومدين فيروسيَّة ولا شأن لها بالدم، وأنَّ الفيروس الذي أصابه عن عملية تسمّم غامضة، هاجم جهاز المناعة وحوّله من صديقٍ مدافع عن صاحبه، إلى غادرٍ به. لذلك فشلت الجهود الطبيَّة كلها بعد شهرين من العلاج، في إيقاف تدهور صحة بومدين، الذي رجع إلى الجزائر ليموت فيها، وبذلك خسر الطب معركته أمام المرض! في واقعة ثالثة ذكر سازوف أنَّ اتصالاً جاءه من وزارة الخارجيَّة لكي يستعد لعلاج ضيفٍ جديد، هو رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى الإمبراطور بوكاسو، فجهّز مستشفىً خاصاً، وانتهى من إكمال علاج بوكاسو المصاب بجهازه الهضمي، وحين انتهى سازوف من عمله مع الضيف عاد إلى بيته، لكن ما إنْ دخل البيت حتى راح الهاتف يرنّ من دون انقطاع، وعندما أجاب، طلب منه المستشفى العودة على الفور. عندما دخل المستشفى أخذه الأطباء إلى مطبخٍ خاص بالرئيس بوكاسو مليء بأطعمته المعتادة من ثعابين وحيّات صغيرة وقطع من اللحم القذر تبيّن للطبيب أنه لحم البشر، فوجّه سازوف أوامره بإلقاء محتويات الصناديق التي أحضرها بوكاسو معه في القمامة، بعد أنْ اكتشف أنَّ الإمبراطور الضيف من آكلة لحوم البشر! يذكر سازوف في كتابه كثيراً تشابك خيوط المرض والصحة بدهاليز السياسة، في إطار نسيج درامي عن قصة الصراع على السلطة. ومن داخل بلده يخصّص عشرات الصفحات لهذه الصلة الشائكة، خاصة من حياة آخر ثلاثة عجائز حكموا البلاد هم برجنيف واندروبوف وتشيرينينكو، كان لمرضهم بل لسلوكهم المعقّد إزاء المرض دوره في فشل الدولة، هذا الفشل الذي مهّد له تدهور صحة برجنيف منذ العام 1976م حتى وفاته عام 1982م، إذ بقيت البلاد معلقة على سلوك ممرضة شابة على علاقة ببرجنيف، كان لها دورٌ بانهيار الاتحاد السوفييتي بحسب سازوف، من خلال التدهور المتوالي لصحة برجنيف إثر علاقته بالممرضة، على ما يفصّل ذلك في كتابه!
الآن مع موجة كورونا حيث راح القادة والزعماء يتبارون في كشف إصاباتهم علناً، كما حصل مع ميركل وجونسون ووزراء كُثر في عشرات الدول؛ هل تتوارى المعادلة السابقة في الإبقاء على سريَّة مرض القادة، أم أنَّ ما بعد كورونا لن يكون كما كان قبلها حتى في هذه الخصوصيَّة؟