الوباء.. وما وراءه!

ثقافة 2020/10/25
...

ياسين طه حافظ
 
حتى أيام قليلة ماضية كنت أظن الوباء كلمة عربية، رحت أبحث عن جذرها في المعاجم لكن ما فاجأني أن الكلمة يونانية وهي من بلاغا أو بلاكا بمعنى ضربة أو جرح. الانتباهة الثانية أني رأيت مصطلحات عسكرية تصحب كلمة «وباء» فهو يضرب ويغزو ويهاجم ويكتسح. ومثلما سمعنا اتهام الصين بفيروس الكورونا سبق أن أتهمت اميركا بنشر الأيديز في أفريقيا! ما يهمنا هو أنه يأتي من بلاد أخرى.
والغريب أيضاً أن هذه الأوبئة والأمراض ألحقت بصفات بشرية، فالسل للرومانسيين والمرهفين، فنانين وكتاباً، وأنه صار استعارة في أشعار الحب والاغاني الشائعة، ومع أن فان كوخ اكتشف عصيانه، لكنه ظل صفة للعشاق وللمحزونين واصحاب الأشواق وعرفنا كيتس مات مسلولاً وشيخوف وجورج اورويل وسواهم. وإذ ارتبط الايدز بالفسوق والشذوذ وصار يشير لهما، فالسرطان صار إدانة لفرط الاستهلاك الغذائي والبيئات الصناعية، ثم صار لعنة على الألسن تروتسكي يقول ستالين سرطان الشيوعية والغرب ينفث حقده كله وكراهته بتعبير السرطان الماركسي!
لكن إذا كان الجنس سبباً، أعني الإسراف فيه والشذوذ في ممارسته، وإذا كانت الأغذية والدهون سبباً وإذا كان الإسراف في الشرب والتدخين سبباً وإذا كانت الملوثات الصناعية والمختبرية سبباً، ما الذي يجب فعله وما هي الإجراءات المنقذة؟.
هل نعود للوصايا القديمة ولعدم الإسراف وعدم القرب من المحرّمات وإلى الطهارة والتقى والابتعاد عن الرذائل؟، وهل يمكن أن نعود بعد الانغمار في الحياة الجديدة والانغماس في كل ما فيها من دخان ومن هواء ملوث وبيئة عامة ملوثة وأغذية معلبة بمواد حافظة وتدخّل في غذاء النبات بالكيمياويات واللعب في الجينات حتى صرنا نأكل ما لم نره من قبل؟.
وهل مسموحٌ لنا بالعودة إلى الطبيعة أو إلى الاعتدال؟، لن نستطيع، تقدم الاقتصاد والرفاه يصحبهما تجاوز الحدود والإسراف في التغذية والجنس والسفر، وهذا يعني المزيد من اللقاءات والمزيد من انتقال الفيروسات، المحلية لا تبقى فيروسات محلية، الرأسمال يجعلنا هواة للحرية. وهذا الرأسمال يعرف كيف يستهلكنا ويتلف «الفائض» من السكان ومن البشر الذين وفرهم التقدم الصحي.
الرأسمال عظيم لكنه أيضاً مجرم كبير، هو يعرف الأساليب التي تأكل الزيادة التي لا يريدها ممن لا يفيد منهم. ولذلك أنا لا استغرب الاتهامات والشكوك بتصنيع الفيروسات في المختبرات والمختبرات الحربية!.
عرفنا أن الانفلونزا 1918-1919 قتلت من البشر أكثر مما قُتلوا خلال أربع سنوات في الحرب العالمية الأولى، واليوم نرى الآلاف الذين قتلهم وسيقتلهم فيروس كورونا المستجد، الانفلونزا الجديدة، المستجد؟ حسنا لم يقولوا الحداثوي!
حين – أُدرجت الأوبئة بالرأسمال لم أكن مغالياً أو (مصابا) بطفولة اليسار، فأنا أعلم ما يفعله «الفيروس» الجديد عبر الصناعة والمختبرات والتجارب والمناورات واختبارات الأسلحة الجديدة. هذه أفرزت حاجات لا تخطر على بال مثل «انتاج» الدم للجرحى وللعمليات! وكيف ننجو من الدم الملوث والجنس الملوث والناس الملوثين بالاشعاع أو بالفيروسات ولا أقول الأفكار الملوثة التي توظف إلى ما شاؤوا من أغراض؟، ثم أن الاقتصاد يجدد وينشط الاستهلاك. وأي وباء أو أي فيروس وبائي، يُغير من العلاقات الاجتماعية والمشتريات ويُؤثر في خرائط البناء ويبتدع استهلاكيات جديدة.
وعلينا إلا نفصل بين ظواهره المؤذية هذه وخطط قوى الهيمنة على العالم. بيننا وفوقنا الصواريخ معبّأة ثم الترسانات النووية واكثر من هذا حاملات الصواريخ النووية.. في الأرض التهديد العدواني ممكن وفي الجو ممكن وتحت الأرض ممكن، ثمة سيطرة تجعلنا مطمئنين، لكن ماذا عن تشققات أرضية وتفجرات مفاجئة، ماذا عن هزات عنيفة، ماذا عن نار سماوية تضرب قاعدة نووية، شظية من كوكب أو كوكب يصطدم بالأرض؟ هل ينفع انهم كتبوا لافتة «ممنوع الدخول»؟، ووضعوا حرساً يحمي القاعدة النووية؟. 
لا مجال للتهاون والاستسلام إلى قوى غير مؤتمنة أفكاراً ونوايا. على البشرية أن تحمي نفسها، فيروس واحد سجن الكثيرين في بيوتهم. ماذا إذا لم تحمنا العزلة والبيوت؟، فكرة هتلر بالخلاص من أجناس من البشر ما اختفت. هي تعمل بأساليب شتى: حروب محلية، حرائق، انفجارات، ثم، ولم لا، فيروس أرضي صناعي لا أحد مسؤول عما أحدث وقَتَل!.