الناقد القصصي حسين مردان

ثقافة 2020/11/09
...

  عزيز لطيف ناهي

 
 
حسين مردان كتب القصة القصيرة ونقد القصة عند الآخرين وقد أظهر براعة نقدية في التقاط الافكار المهمة فيها وابداء الرأي الناضج فيها بوصفه فناً مهماً في الشارع الأدبي به حاجة الى تأسيس ضوابط يسير عليها القاص في كتابته، وقد حظيت هذه الآراء فضلاً عن النقود التي قالها في القصة والرواية حظيت بالاهتمام الكبير من قبل النقاد، اذ يقول عبد الجبار عباس في ذلك (لم يكتب حسين مردان القصة الشعرية الطويلة ولم يكتب المسرحية الشعرية، ومهما انطوت القصة عنده على هاجس ذاتي فلابد أن تحتفظ بقسط من الموضوعية يغيب فيه المؤلف وراء السطور وذلك في الرواية الزم منه في القصة القصيرة ... لذا كان حسين يرى في نقده لرواية (صراخ في ليل طويل) أنَّ من كُبر عيوب الاستاذ جبرا ابراهيم جبرا محاولته وضع وجهه وراء كل جملة بل إن القارئ يلتقي بوجه المؤلف في كل كلمة ونبرة في قصته).
اما في نقد حسين مردان لقصة (شاعر العصر) لعبد الرزاق الشيخ علي،فيُعلق على ذلك عبد الجبار عباس قائلاً: (إن الخطوط الاساسية في هذه المقالة النقدية المهمة تختصر ابرز الاهداف والمفاهيم القصصية لدى جيل قصصي بأكمله، لاسيما أنها جمعت بين شروط البناء القصصي الكلاسيكي وبين التأكيد على ضرورة الالتفات الجاد الى التحليل والتداعي اللذين اقترن بهما سعي عبد الملك نوري وزملائه وتلامذته الى التجديد داخل ذلك البناء)، اذ كان نقد حسين مردان لهذه القصة بالغ الأهمية في تسليط الضوء على ملامح القصة القصيرة وشروطها كما عرفها هو وشاركه المجتهدون من قصاصي جيله في تثبيت دعائمها واشاعة مصطلحها ...
لكن كيل المدح لم يستمر مع مقالات حسين مردان النقدية القصصية بظهور بعض الملاحظات التي سجلها مهدي شاكر العبيدي ومن هذه المؤاخذات هي قوله: (ان استهداف عبد الرزاق الشيخ علي للهجوم باسم النقد الادبي وعلى صفحات جريدة وطنية كان مما يطرب له الحاكمون واشياعهم حملة الاقلام المأجورة).وهو من الأخطاء غير المقصودة من قبيل (قتل الخطأ) الذي لايؤاخذ عليه مردان وإن جاء سهواً من حيث الزمن الذي ربما وفر حجة للسلطة ضد القاص عبد الرزاق الشيخ علي.
إن أهمية الموروث تأتي من كونه يمثل التحليل النفسي الذي لابد لكي ينجح القصاص فيه ان يكون عميقاً غائراً الى رواسب الذات ودهاليزها السرية، وفي نقده الصحفي لطائفة من الروايات الشهيرة لايني حسين يؤكد اهمية هذا الامتياز الضخم حتى ليعد غيابه منقصة ومأخذاً وهذا ما نجده في نقده لرواية (الزوج الخالـد)لـ (دستوفسكي) ورواية (بين القصرين) لنجيب محفوظ وروايــة (قصر الشوق)،إذ يقول عبد الجبار عباس في ذلك: (إن هذا الالتفات الى اهمية التحليل امتداد طبيعي لما أعلنه في مطلع شبابه وبدء تجربته الشعرية من ثورة جنسية اخلاقية بهدف النبش عن حقيقة الحيوان الكامن في الاعماق ... إذ ان التحليل القصصي الناجح هو انجاز شعري ناجح).
ومن الانجازات التي تحسب لحسين مردان والتي شكلت اساساً وطيداً هو ماذكره عبد الجبار عباس بقوله: (إن التفاتة حسين مردان الرائدة والمهمة الى ضرورة التمييز بين (تداعي المعاني) هذا الأسلوب الصعب الجديد والمغري وبين (كثرة الانتقالات الفجائية) ذلك العيب البدائي القديم المستكره لم تكن مجرد ملاحظة نقدية بارعة بل كانت اساساً وطيداً لما كتبه حسين من اقاصيص سيكولوجية نهج فيها، ولكن باقتصاد جميل وحساسيــة صافية، هذا النهج القصصي الجديد).
إن إمكانية حسين مردان في النقد القصصي تكشف عن ابداع فائق ومقدرة تلفت النظر لمشروعه النقدي من قبل النقاد والدارسين في الاشارة الى (سبقه النقدي) في هذا الاثر الادبي، فالقراءة النقدية التي نجدها في نقد مردان القصصي تنفث الحياة في النص وتنشطه وتحميه من الجمود والاندثار فهي عبارة عن حوار مفتوح مع المقروء فهو فضلاً عن الموهبة كان ذا ثراء ثقافي من حيث القراءة والاطلاع الواسع مكنه من الاحاطة بالعناصر الفنية للقصة والحديث عن نماذجها البشرية في حال المعاناة والقلق من ضغوط الحياة ضمن رؤية تحليلية وفنية للواقع والنفس في آن واحد.