مظفر النواب وقصيدة العراق

فلكلور 2021/06/17
...

  د.فاطمة المحسن
 
لم يكتب مظفر النواب قصيدة يذكر فيها اسم العراق، ولا أشار إلى مكان فيه، ولكن لا يمكن أنْ نسمي شعراً شديد الصلة بمحليته، مثلما نقول عن شعره. 
كان السياب، وهو يتهجأ اسم العراق في أشعاره، يمسك بعنان الفكرة التي تنصهر في لوعة محليَّة، لتخرج منها إلى أفق لا ينحبس في مكان واحد، حيث الشعر شراكة تصل القارئ أينما يكون. أما شعر مظفر العامي، فقد سكن تلافيف الروح التي تقول المكان، وتمسك بلغز عاطفته، وتتناغم معها. فالمحكيَّة الريفيَّة التي لم تكن لهجته، شاعت بين المثقفين عندما كتبها مظفر، وعندما جعل من لذّاتها الحسيَّة معبراً لمحاكاة الفتنة الكامنة في خطيئة لمساتها العارية، النشوة الجامحة لعذريَّة البدئي والساذج والوحشي.
النواب اليوم مريض، وهو في وحدة مرضه، ينزوي كي ينتظر أين سيذهب به زورق الرحيل، كان العراق دائماً على مبعدة منه، يكتشف مظفر بعد ذلك الوقت، تلك الكلمات التي تبرق في ذاكرة المغادر: 
 
يانهران أهلنه، ولَن محطتنه، محطة جذب
صاح القطار بليل بيها وما وكف، وتغامزن نجمات.
ما جانت الظنه العمر كله وبالسحج يكضي،
وليالي بالجماد نبات.
لابد بالسريع النه نصيب ويه العشك، 
ونحط عذر للي جزانه وفات. 
 
يتذكر مظفر قطاره الأول، قطار انتظاره الذي سيجد له عذراً حين يجتازه ولا يقف، فلا بُدَّ أنْ يكون له نصيبٌ من العشق في تلك المحطات الباردة. محطات العراق الذي غادرته، مثل عمر المهاجر في بلاد غريبة.
مظفر النواب الذي حفظ العراقيون شعره، مثلما تهجّوا عذوبة تلك النبرة التي تفيض رقة في لغة صبايا الهور، أقصى الجنوب المنسي بين مستنقعات تلامس السماء وطيور الخليقة الأولى. اللهجة التي تستخدم أداة التصغير، كي يكون اللفظ على غنج ودلال الطفولة. التنغيم الذي يدوّر البيت، ويقلب الحروف ويلعب بها. رياضة التوريات والقفز بين المعاني، وهي تصل حرارة الحب المشاع وفطرته الأولى، خوف ووجل الجسد من اللمس، وكركرات السعادة المختلسة.
هكذا يجمع مظفر في سلة شعره ما عزّ على الشعر الفصيح، فكأنه يولد من نفسه، بلا أسلاف ولا ميراث، لا في اللغة ولا في الصور ولا في التراكيب. فهو لا ينتسب إلى مدارس المحكي العراقي، ولا يتأثر بفصيح جديده وقديمة.
فقد مظفر صوته عندما غادر العراق، فقد نكهته، وهو يخاطب العرب بفصيح عالي النبر، ولكنه استعاد شعره في بضع قصائد شعبيَّة متناثرة. تزاحمه صورة المغني الجواب، المغني الذي يجد لذة في الفقدان. يمضي وهالة من المريدين الشباب تحيط به، عالمه الرجولي، لايعكسه شعره العامي، فهو عالم النساء بامتياز. صوت المرأة في جل قصائده، صوت مختلف عما كتبه الكتّاب عنها، فهي ليست امرأة ضعيفة، حتى في القصائد التي تشي بطفولة صوتها وبكارته. لعلها تغالب لوعة الغرام وتحتال عليه، أو تقول السياسيَّة بحسها وكبريائها، وتصف الحبيب وهي تكشف عن مجسات تذوقها:
 
يا لعابر مينه بليل أزرگ
والشهگة تحطك وتشيلك
وگلادة مهرك تتشامر
على الليل نجوم تضويلك
گل للعابر ما مش مايل إلا ويغرك. 
 
كانت مرحلة قصائد مظفر تبشّر بثورة الفلاحين، وبنوع من الإجلال للريف وأهواره، التي التجأ اليها الحالمون بانتفاضة على طريقة هوشي منه. ولعلَّ ما كتبه يختلف عن كلام الريف، مع أنَّه يستخدم مفرداته، وأساليبه وإيقاعاته، فهو يملك نظرة مثقف يعرف كيف يبتكر التسويات بين مشاغل عالم حديث، وآخر منقطع عن حياة المدن. 
وبقي جمهوره غير الذي ينطق باسمهم، بل كانت قصائده يتناقلها المثقفون والطلبة من أهل بغداد والمدن، والكثير منهم، عشق اللهجة الفلاحيَّة، وحاول معرفتها بعد قراءة تلك القصائد. ولكنْ من أين لمظفر كل هذا القاموس العامر بلغة الريف ومخيلته، وهو ابن أسرة سمي حيٌ بأكمله ببغداد 
باسمها؟.
يقال إنه كُلّف في عهد قاسم بجمع الشعر الشعبي، ومن تلك التجربة انبثقت قصيدته (الريل وحمد). ولكن الذي يتناقله المقربون منه، انه كان على صلة بالريف وعوالمه، قبل هذا الوقت، وقصيدته الأولى نتاج صحبة شاعرين من الفلاحين، رافقهما طويلا وتعلّم منهما الكثير. كان الاثنان يتبادلان الأغاني والأشعار بين جرفي نهر، عندما التقاهما مظفر أول مرة، هكذا تقول الحكاية، والعراقيون يعشقون الحكايات. هو يترك القصص تحوم حوله، ولا يملك التعليق عليها، وعندما يستبد به السهر يغني، ومن النادر أنْ يبدي رغبة في النقاش. نوع من الترّفع الممزوج بتوقٍ إلى جلاّس ليس بعمره، ولكنهم يحفظون إيماءته ونبر صوته، وسخريَّة خفيَّة، تغلّف ملامح وجهه الحزين. 
يخذل المرض مظفر اليوم، ويتناقل محبوه ما كتبه، مقلبين أوراق العراق، علهم يعثرون على بقايا زمن مظفر الجميل.