تشكيل المجلس التأسيسي وانتخابات الملكية الدستورية

فلكلور 2021/09/07
...

 بغداد: الصباح
تعد الانتخابات النيابية الممارسة الأكثر ديمقراطية في جميع أنحاء العالم، بوصفها إحدى ركائز بناء المجتمعات التي تساعد على بناء الدولة، فالانتخابات هي عملية قيام الشعب في اختيار الإفراد الذين يباشرون السلطة باسمهم، ويعد العراق من أوائل بلدان الشرق الأوسط التي نشأ وترعرع فيها النظام البرلماني، ففي حفل تتويج الملك فيصل الأول ألقى خطاباً أوضح فيه بإجراء الانتخابات التي سيتمخض عنها مجلس تأسيسي.
تشكيل المجلس التأسيسي
تشكل المجلس التأسيسي من بعض زعماء العراق وسياسييه وشخصياته المعروفة بضمنها نوري السعيد باشا وعبد المحسن السعدون ورشيد عالي الكيلاني باشا وجعفر العسكري وياسين الهاشمي وعبد الوهاب بيك النعيمي الذي عرف بتدوين المراسلات الخاصة بتأسيس المملكة العراقية. بعد أنْ اختير نقيب أشراف بغداد السيد عبد الرحمن النقيب الكيلاني رئيسا لوزراء العراق وبعد أنْ عقد مؤتمر القاهرة والذي نادى بالأمير فيصل الأول ملكاً على عرش العراق، وتم تتويجه في يوم 23 آب من العام1921، أصدر الملك فيصل الأول أمراً ملكياً بانتخاب المجلس التأسيسي الذي تولى من ضمن العديد من المهام كتابة دستور للعراق، تشريع قانون للانتخابات العامة، المصادقة على المعاهدة العراقية البريطانية، تشكيل حكومة وطنية عراقية انتقالية، وتشكيل الوزارات والمؤسسات والدوائر العراقية، واختيار الساسة العراقيين لتولي المهام الحكومية.
 
الانتخابات في عهد الملك فيصل الأول
أعلن الملك فيصل بن الحسين في يوم تتويجه في 23/ آب/ 1921، ملكاً على عرش العراق، بأنَّ أول عمل سيقوم به هو إجراء الانتخابات التي سيتمخض عنها قيام المجلس التأسيسي والذي يضع دستوراً للبلاد.
فصدرت الإرادة الملكية في 19/ تشرين الأول/ 1922 بتأليف المجلس التأسيسي.
وقررت الحكومة إجراء الانتخابات ابتداءً من 12/ تموز/  1924، وتم فعلاً انتخاب المنتخبين الثانويين».
أسفرت عملية انتخاب نواب المجلس التأسيسي التي بدأت في 25/ شباط/ 1924 وانتهت في آذار من العام نفسه عن تشكيل المجلس التأسيسي الذي افتتح في 27/ آذار /1924 وكان عدد أعضائه (100)، وألقى الملك فيصل الأول خطاب العرش، مذكراً الأعضاء بأنَّ مهمتهم هي البت في المعاهدة العراقية ـ البريطانية وإصدار الدستور العراقي ومن ثم إصدار قانون انتخاب النواب.
 
قانون انتخاب النواب
أنيطت السلطة التشريعية وفق القانون الأساسي الى مجلس الأمة والمكوّن من مجلس الأعيان ومجلس النواب، ويضم مجلس الأعيان 20 عضواً يعينهم الملك، ومدة العضوية في المجلس 8 سنوات على أنْ يتبدل نصفهم كل أربع سنوات.)
أما مجلس النواب، فقد باشر المجلس التأسيسي عمله لسن قانون انتخاب النواب، فبموجب المادة (37) من القانون الأساسي التي نصّت على أنْ يكون (تعيين طريقة انتخاب النواب بقانون خاص يراعى فيه أصول التصويت السري ووجوب تمثيل الأقليات غير الإسلامية).
 
نظام غير مباشر
استخدمت الانتخابات نظاماً انتخابياً غير مباشر، إذ انتخب الجمهور العام (الرجال الذين تجاوزوا سن 18 سنة) 383 ناخباً ثانوياً، والذين بدورهم انتخبوا 100 نائب في الجمعيَّة.
لم تكن هناك أحزابٌ رسميَّة، لكنْ انقسم النواب إلى فريقين: أولئك الذين أيدوا التصديق على المعاهدة من دون تنقيحات وعدوا مؤيدين للحكومة؛ كانت هذه الكتلة بقيادة عبد المحسن السعدون ورئيس الوزراء جعفر العسكري. أما من عارضوا المعاهدة أو سعوا لمراجعتها قبل التصديق، فقد عدوا مناهضين للحكومة. كانت هذه الكتلة بقيادة ياسين الهاشمي.
انتهى المجلس التأسيسي العراقي من إنجاز المهمات التي أوكلت إليه وهي وضع القانون الأساس العراقي (الدستور) والمعاهدة العراقيَّة البريطانية وسنّ قانون الانتخابات. وشرع بالتهيؤ للانتخابات النيابية، إذ صدرت الإرادة الملكية بإجرائها في الأيام التي تبدأ في أواخر أيار من العام 1925.وقد عقد اول اجتماع لهذا المجلس في 16 تموز 1925، فانتخب رشيد عالي الكيلاني رئيساً للمجلس. واستمر المجلس النيابي الأول بأعماله الى أنْ صدرت الإرادة الملكية بحلّه سنة 1928. 
انتخابات عام 1928
شكّل عبد المحسن السعدون وزارته الثالثة، مشترطاً حل مجلس النواب، والشروع في انتخاب مجلس جديد بسبب عدم توحيد الكلمة وإجماع الرأي لدى ممثلي الأمة، فضلاً عن عدم استقرار الأحزاب السياسية في مجلس النواب بحيث إنها غير ثابتة على انتهاج خطط واضحة كما تتطلب ذلك الحياة النيابيَّة، كذلك لدى الحكومة قضايا متعلقة بمصالح الشعب عليها إتمامها، منها المعاهدة العراقية ـ البريطانية، والاتفاقيات المالية والعسكرية، وقضية الدفاع الوطني، فصدرت إرادة ملكية في 18/ كانون الثاني/ 1928 بحل مجلس النواب، وفي 22 منه أصدرت وزارة الداخلية تعليماتها لمتصرفي ألوية العراق بالاستعداد لخوض الانتخبات الجديدة، فتحفز الشعب لاستعمال حقه الشرعي في المنافسة، لكن السلطة مارست كل اساليب الترغيب والترهيب لضمان نجاح مؤيديها، ويشير تقرير دار الاعتماد البريطاني عن ذلك: ((.. لا ينكر أنَّ المخالفات التي أجريت فعلاً كانت كثيرة…)). 
وفي 9/ أيار/ 1928، تم انتخاب النواب للمجلس الجديد، ونجحت الحكومة عن فوزها بـ (66) مقعداً من أصل (88) مقعداً من مقاعد المجلس ودعي المجلس الى عقد اجتماع غير اعتيادي في 19/ أيار من العام نفسه، وألقى الملك فيصل الاول خطاب العرش، وبعدها انتخب النواب عبد العزيز القصاب رئيساً لمجلسهم.
 
انتخابات 1930 و1932
عهد الملك فيصل الاول الى نوري السعيد بتشكيل وزارته الاولى حيث شكّلها في 23/ آذار/1930، وكان هدفه الأول عقد معاهدة جديدة مع بريطانيا لتنظيم العلاقات بين البلدين، فأنجزت الوزارة مهمتها بالتوقيع في 30/ حزيران/ 1930 على نص المعاهدة الجديدة، التي ستعرض على البريطانيين لغرض تصديقها.
لم يكن رئيس الوزراء نوري السعيد مطمئناً على المعاهدة داخل البرلمان، لذا عزم العقد على حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة يضمن خلالها وصول اغلبية مؤيدة للمعاهدة، بينما أعلن أن الرغبة في حل مجلس النواب حتى يتم انتخاب مجلس جديد من اجل الوقوف على رأي الشعب على اساس قبول المعاهدة او رفضها.
وبعد مرور يوم واحد على توقيع المعاهدة صدرت ارادة ملكية في 1/ تموز/1930 بحل المجلس النيابي، وحدد يوم 10 منه موعداً لبدء الانتخابات على أن يتم إنجازها في مدة لا تتجاوز الشهرين. 
افتتح مجلس النواب يوم 1/ تشرين الثاني/ 1930 وألقى الملك فيصل الاول خطاب العرش، وكان اطول خطاب امام المؤسسة التشريعية، وأدى النواب اليمين الدستورية، وتم انتخاب جعفر العسكري لرئاسة المجلس.
هكذا جاءت نتائج الانتخابات بالصورة التي رسمها لها رئيس الحكومة نوري السعيد، فقد حصلت المعارضة على اقل المقاعد بينما اعطت لنوري السعيد نفوذاً كبيراً في المجلس الذي ضم انصاره ومؤيديه، وكان هدفه الاساس الحصول على موافقة اغلبية اعضاء المجلس لتصديق المعاهدة العراقية ـ البريطانية لسنة 1930.
راي الملك فيصل الاول ان العراق بعد حصوله على الاستقلال بموجب تنفيذ معاهدة 1930م ودخوله عضواً في عصبة الامم عام 1932م، ان يسير في حياة جديدة على نهج جديد فلا بُدَّ من إجراء تعديلات في سياسة الدولة، وان وزارة نوري السعيد قد انتهت مهمتها، فعهد بتشكيل الوزارة الى ناجي شوكت، وكانت أولى مهام الوزارة هو حل مجلس النواب وإجراء انتخابات جديدة، حيث اصدرت وزارة الداخلية أوامرها الى متصرفي الالوية بالشروع في الانتخابات في 10/ كانون الاول/ 1932.
 
في عهد الملك غازي الاول
توج الملك غازي ملكاً على العراق في 8/ ايلول/1933 بعد وفاة والده الملك فيصل الاول، وعندما شكل علي جودت الايوبي وزارته في 27/ آب/ 1934، أسرع في حل مجلس النواب والشروع بإجراء انتخابات جديدة.
شهدت هذه الانتخابات تدخل سافر من قبل الحكومة، فعندما جاء دور انتخاب المنتخبين الثانويين، فكان معظمهم من موظفي الحكومة، وممن كان موالياً للسلطة أو مؤيداً لسياستها، ويشير عبد الرزاق الحسني، عندما تحدث معه رئيس الوزراء علي جودة الايوبي عن الانتخابات في العراق ودرجة تدخل الحكومة فيها قائلاً: ((الحق ان الحياة النيابية افسدت العراق لسببين؛ قانون انتخاب النواب، وكثرة طلاب النيابات، أما من جهة قانون الانتخاب فإنه اعطى السلطة مجالاً واسعا للتدخل فيه، حتى أن النيابات كانت الى التعيين أقرب منها الى الانتخاب، أما من جهة النيابات فأنتم تعلمون ان عددها محدود، في حين ان طلابها يتجاوزون الالفين، فلو قام في البلاد مجلس تشريعي تمثل فيه الألوية، لكان ذلك خيراً وأبقى، وخلصت الحكومة نفسها من الانتقادات)) يتبين من ذلك بوضوح تدخل الحكومة في الانتخاب، وعملت الحكومة على جعل الصحفيين نواباً في مجلسها فكان صاحب جريدة البلاد نائباً عن لواء البصرة، وصاحب جريدة العالم العربي نائبا عن لواء الموصل وصاحب جريدة الاستقلال نائباً عن لواء الكوت، فحرمت الحكومة الشعب بعملها هذا من السنته الناطقة.
عقد المجلس اجتماعه الاول في 29/ كانون الاول/ 1934، وبعد القاء الملك خطاب العرش انتخب النواب رشيد الخوجة رئيساً لمجلسهم.
عندما شكل ياسين الهاشمي حكومته في 17/ آذار/ 1935، نجح باستصدار ارادة ملكية بحل مجلس النواب واجراء انتخابات جديدة، حيث زيد عدد مقاعد مجلس النواب من 88 نائباً الى 108 نواب، نتيجة لزيادة عدد سكان العراق، وتم انتخاب نواب المجلس الجديد في 4/ آب/ 1935، واصبح محمد زكي رئيساً للمجلس الجديد.
ولكن المجلس لم يستمر في عمله اذ حل وصدرت ارادة ملكية بتعيين يوم 10/ كانون الاول/ 1936 موعداً لبدء العملية الانتخابية في عهد وزارة حكمت سليمان، وفي 20/ شباط/ 1937 تم انتخاب نواب المجلس الجديد بالطرق المألوفة حيث تم اختيارهم من قبل اعضاء الحكومة وانتخب فخر الدين جميل رئيسا لمجلس النواب.
بعد ان قدم حكمت سليمان استقالة حكومته في 17/ آب/ 1937، شكلها من بعده جميل المدفعي، الذي كان من أولويات حكومته حل مجلس النواب واجراء انتخابات جديدة، وبعد اصدار ارادة ملكية بحله، بدأت الاستعدادات للانتخاب وشكل المجلس الجديد في 18/ كانون الاول/ 1937، وعقد المجلس اجتماعه الاعتيادي في 23/ كانون الاول/ 1937، وانتخب النواب مولود مخلص رئيساً لمجلسهم.