هل انتهى خطر عجز الموازنة؟

اقتصادية 2019/03/01
...

بغداد/ متابعة الصباح
يتحدى البعض مؤخراً الحكمة التقليدية القديمة التي تقول إنه في حالة أن الحكومة الأمريكية تشهد عجزاً كبيراً ومستداماً في موازنتها فإن الديون المتزايدة ستتسبب في النهاية في أضرار جسيمة للاقتصاد.
ويشير تحليل نشره "بلومبرج أوبنيون" إلى أن هؤلاء الأشخاص لديهم وجهة نظر في رؤيتهم، ولكن من المهم ألا يتم المبالغة بشأنها كثيراً.
وتأتي الحجج في أشكال مختلفة، فبعض عموم الاقتصاديين مثل أوليفر بلانشراد، وهو رئيس الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي ، يقول "إن الديون السيادية أكثر قابلية للإدارة في عالم يتجاوز فيه النمو الاقتصادي تكاليف الاقتراض المنخفضة للغاية للحكومات".
وفي الجهة الأكثر تطرفاً في هذا الاتجاه، فإن المؤيدين لنظرية النقدية الحديثة يجادلون بأنه نتيجة أن الولايات المتحدة تقترض بعملتها المحلية وهي الدولار فيمكنها دائماً أن تطبع المزيد من الدولارات لتغطية التزاماتها. أما عن وجهة النظر الأولى، فإن تمويل العجز يبدو بالفعل أقل إشكالية من الماضي، حيث إن أعباء الديون الحكومية والتي يتم قياسها كنسبة مئوية لإجمالي الناتج المحلي تظل مستقرة طالما أن الديون والناتج الإجمالي المحلي يحققان نمواً بنفس الوتيرة.
ويعد ذلك أمراً أسهل في تنفيذه حالياً، لأن معدل النمو الاسمي طويل الأجل للاقتصاد عند مستوى يتراوح بين 3.5 بالمئة إلى 4 بالمئة أعلى بكثير من تكاليف اقتراض الحكومة الأمريكية والتي عند مستوى 2.5 بالمئة.
 
إمكانية نمو الديون
ولذلك فإن الحكومة الأمريكية لديها بعض المتسع، حيث أن الديون يمكن أن تنمو بنسب تقترب من 4 بالمئة سنوياً أو من 1 بالمئة إلى 1.5 بالمئة من صافي مصروفات الفوائد، بدون زيادة معدل الديون إلى الناتج الإجمالي المحلي.
والمستوى المنخفض لمعدلات الفائدة من المحتمل أن يساعد في تفسير لماذا أظهرت الأسواق المالية تسامحاً كبيراً تجاه عجز الموازنة الكبير والمستمر حول العالم، حيث تمثل اليابان مثالاً ملحوظاً على ذلك.
كما أنه من المهم معرفة أين وكيف تنفق الحكومة الأموال، وعلى سبيل المثال استثمار البنية التحتية يمكن أن يمول نفسه بنفسه عبر تعزيز الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، وبشكل عام فإن هذا الأمر ملحوظ في الولايات المتحدة حيث إن الطرق والموانئ والأعمال العامة في حاجة ماسة إلى التحديث.
والانفاق بالعجز في أوقات الكساد يمكن أيضاً أن يكون ممولاً ذاتياً، لأن ذلك ينطوي على مصادر غير مستخدمة، على سبيل المثال عبر توظيف الأشخاص الذين مهاراتهم وقدراتهم يمكن أن تضيع.
طباعة العملات النقدية 
أما مؤيدو النظرية النقدية الحديثة فإنهم يذهبون خطوة أبعد، حيث تقترح أن حكومة مثل الولايات المتحدة لا تحتاج أن تقلق بشأن الديون على الإطلاق.
ويرى أنصار هذه النظرية أنه طالما الحكومة تقرض بعملتها المحلية فإنه لا وجود لتخلف عن السداد أو إشهار للإفلاس، فيمكنها أن تنفق كيفما تريد على أي مشروع مثل التعليم والرعاية الصحية عبر إصدار فقط سندات دين إضافية لتغطية التكلفة.
ولكن الأمور مع الأسف ليست بمثل هذه السهولة، والسبب الأول هو أن الاقتصاد من المحتمل ألا يكون لديه موارد كافية على صعيد العمال والطاقة الصناعية لمواجهة الطلب المشترك من الحكومة والقطاع الخاص، والنتيجة ستكون حدوث التضخم، مع كميات كبير جداً من الأموال تلاحق القليل جداً من الخدمات والسلع.
وعلاوة على ذلك فإن الولايات المتحدة تستهلك بشكل أكبر مما تنتج، وتعتمد بشدة على المستثمرين الأجانب لإقراضها ما تحتاجه حتى تتمكن من الاستمرار، ولكنهم ليسوا بحاجة إلى تقديم قروض دولارية، أو شراء سندات أمريكية.
وفي حالة أن الديون الأمريكية استمرت في النمو فإنه عند نقطة ما فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيواجه معضلة، فأما أن يرفع معدلات الفائدة للحفاظ على الطلب المحلي والأجنبي على الأصول الدولارية ولكن في هذه الحالة سيضر النمو الاقتصادي الأمريكي.
أو بإمكان البنك أن يبقى معدلات الفائدة منخفضة لكن يسمح للدولار الأمريكي بأن يتراجع، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة معدل التضخم حيث السلع والخدمات المستوردة أكثر تكلفة.
وأيأً كانت النتيجة فإن ذلك لن يكون ممتعاً على الإطلاق.
والنظرية النقدية الحديثة لم تعمل بشكل جيد مع الدول الأخرى، بالنظر إلى ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي او فنزويلا وزيمبابوي مؤخراً. وحاولت الولايات المتحدة أن تقدم إصداراً أكثر اعتدالاً في الستينيات والسبعينيات، عندما حاولت الحكومة الدفع في وقت واحد لحرب فيتنام وبرامج الخدمات المجتمعية وكانت النتيجة هي التضخم، والانسحاب الأمريكي من قاعدة الذهب العالمية.
وغطاء الذهب كان نظاما نقديا يقوم على استخدام الذهب كقاعدة لتقييم العملة بقيمة متساوية لها من الذهب مع إمكانية تحويل قيمة هذه العملة إلى ذهب في أي وقت.
واضطر الفيدرالي الى أن يزيد معدلات الفائدة إلى أكثر من 9 بالمئة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، ما تسبب في أضرار اقتصادية كبيرة لإبقاء معدل التضخم تحت السيطرة.
وإذا كنت تقلق بشأن العجز المالي فعليك أن تختار بين زيادة الضرائب أو خفض الانفاق.
والأهداف الاجتماعية مثل الطرق الأفضل والرعاية الصحية الشاملة أكثر جاذبية بكثير إذا كنت تجادل بأنه لا حاجة لدفع ثمنها، لكن مع الأسف فإن تلك القيود حقيقية وموجودة. والاقتصاد الأمريكي يعمل بشكل قريب من الطاقة الإنتاجية الكاملة، بينما تشهد الحكومة بالفعل عجزاً كبيراً من المتوقع له أن يزداد.