في التجربة والكتابة.. مؤثرات الطـُرس والكتابة على الأكفان

فلكلور 2023/01/19
...

  جاسم عاصي


لا شك أنَّ لفعل الكتابة على الكفن له مؤثرات نفسيَّة، ربما تكون إيجابيَّة أو سلبيَّة. لكنَّ تعاملي مع هذا الفعل خلق لي طبيعة التأثير لهذا المؤثر. بمعنى، أنَّ استدراجي لمحتوياته أول مرة وبحذرٍ الذي يملى عليه قطعة إملائيَّة، وبين التكرار والتواصل الذي اقتضى خلق حالات جديدة جرّاء هذا التعامل. بضع قطع تتوزع على الجسد من بعد الانتهاء من التغسيل، واحدة للّف الجسد، وأخرى لتعصيب الرأس، ومنها للّف الخِصر كالحزام، وهذه القطع مدوّن عليها أشكال وكتابات، لكنَّ المهم منها هو تقسيم قطعة الجسد الواسعة إلى ثلاث مربعات تعلوها مربعات يُكتب عليها اسم الجلالة و(علي، فاطمة، الحسن، الحسين) تفصل بينها قباب ومنائر، الأمر الذي يزيد من قدسيَّة الأعلى، لا سيّما يتوجب أنْ تُخَط بشكلٍ واضحٍ وبارز، حيث يشكّل إكليلا ً لما هو في الرقعة، التي تحتوي دعاء ذو الجوشن. وهذا يتطلب الصبر والتأني في الكتابة والنقل.

كانت البداية محفوفة بالصعوبة، لجدتها أولاً وطبيعة لغتها، والانتباه إلى أنْ يكون العمل بتركيزٍ حاذق، خوف سقوط بعض الكلمات، صحيح أنَّه عمل مهني، دوافعه اقتصاديَّة. لكنه مع إنسان مثقف ومنتج نص، كان في بالغ الحساسيَّة، التي ربما لم أدركها في البدء، غير أني ما أن انتهيت من إتمام كل ما يتطلب الكفن، تلبستني حالة استثنائيَّة، بسبب استغراقي وقتاً في إنجازه، ولحرصي الشديد على الأحسن في الإنجاز، عمدت إلى قراءة ما كتبت بماء الزعفران من دعاء، مقارنة بما هو مطبوعٌ في كرّاس إلى جانبي، كانت هذه المراجعة من باب إتقان الحرفة. لكنه تحوّل بالتكرار إلى خوفٍ مفاجئ، أساسه المعتقد الذي لم يكن مؤثراً بي للوهلة الأولى، لقد امتزجت عندي حالتان هما؛ حرصي على أداء عملي، وخوفاً من غفلتي عن بعض الكلمات الساقطة من النص. وفي هذه الحالة يبطل مفعول الكفن في حفظ جسد المتوفى من هجمات الدود.

لقد تحوّل الخيال الذي خلقته الشَعيرة إلى حقيقة بالنسبة لي، وهذا ما دفعني لفهم مسؤوليتي إزاء من سيكون له هذا الكفن، صرّت أتصوّر رؤى خارج الزمان والمكان. كان دأبي أنْ أكون وفياً لمن لا أعرفه في حياته، وكأنه أوصاني بإعداد الكفن لجثمانه ما أنْ تحين ساعته.

تحوّلت لديّ حرفة الكتابة إلى طقسيَّة وشَعيرة مؤثرة. ومن محصلة توالي الأيام في إنجاز العشرات من الأكفان تحوّلّت بحكم المداولة إلى إنسان صانع لمصير إنسان. بل قل إنَّه وفاء أخلاقيٌ محفوفٌ بشعائر الدين التي حوّلتني علاقتي مع المكوّنات هذه إلى علاقة صوفيَّة بالطقس محذراً نفسي من السهو والإهمال وغياب جمل أثناء الكتابة، بوصفها تنطوي على حياة تُمنح لمُغيّب. 

عبرت بي باتجاهات واسعة من الشعور والإحساس، أيقظت في ذاتي مركّب الخوف من المجهول المعلوم. حفظت الدعاء عن ظهر قلب، ووثقت بملَكة حفظي تلك، لا سيّما بعد المراجعة. تحوّلت الكتابة عندي من الإنجاز إلى الإبداع. بمعنى بدأت أحسّن الخط وأنمّقه، أمد الخط الأفقي في اسم الجلالة، وأحني الهاء وأقوّسها لتبدو أكثر جمالاً، وأطيل من حرف العين في علي، والألف في فاطمة. وكم حرصت على وضع الفتحة عل حاء الحَسن والضمة على حاء الحُسين والشدة والفتحة على ألف الأوسط لاسم الجلالة. بدا الخط يتجمل ويترشق تحت ضغط أصابعي المرتعشة حذراً فتبدو رقعة أعلى الدعاء أكثر رونقاً في الصناعة. وكذلك القطع الصغيرة، إذ حرصت على أنْ أشغلها بخطٍ كبيرٍ أمده حتى نهاية قطعة القماش. كذلك حرصي على أنْ يكون اسم الجلالة والبسملة على جبين المتوفى. لا أدري ما الذي دفعني إلى هذا. 

هل هو حرصي على الأداء الذي سيعبر بي نحو الأداء في الرواية. فيبدو الوصف متقناً، خاصة حين يجتمع مع طقوس التغسيل التي عليها في النص بكل التفاصيل. فهي مسكوتٌ عنها، وإنْ رآها البعض، لكنهم عدّوها جزءاً من واجب وظيفي للمغسّل، لكنَّ وظيفة الرواية غير هذا، وظيفتها الولوج إلى ما يتركه المؤثر من أثر. لقد ملأ الطقس الذي مارسته قوة مكنتني من نقله بحرفيَّة وإبداع من المخيلة، بالرغم من معاناتي وأنا أدوّن الجمل على قطع القماش التي تتطلب مني ساعات وساعات.

باعتقادي أنَّ الاهتمام بمثل هذه الطقوس، يشكّل مع غيره نواة الاستثمار للموروث في النص من جهة، والحفاظ على ما توفرت عليه ذاكرة الواقع من معانٍ من جهة أخرى. لم يكن التوثيق للمكان والزمان فقط في المرويات عند الشعوب، وإنما ثمة ممارسات متجددة لا بُدَّ من أنْ تدوّن. 

ومن ذلك تكون الموروثات الشعبيَّة، وطقوس عاشوراء وواقعة الطف، كما فعلت في رواية (ما قيل وما....) بذكر أسماء الشوارع والمحلات والأبنية التراثيَّة كالقلاع والأبواب، وأعني بها مداخل المدينة، كباب الطاق والسلالمة والنجف وساحة باب الحسين والعباسيَّة الشرقيَّة ووجودها التاريخي في المدينة، وكيف كانت قبل التغيير كذلك الخانات التي تأوي الزوار والحسينيات والمساجد. كل هذا من إرث المدينة، كتب عنها الباحثون، وبقي المجال مفتوحاً للكتّاب أنْ يدوّنوا رؤيتهم لمثل هذه المرتكزات النصيَّة، لهذا الإرث الكبير والواسع، الذي بقي حياً عبر كل هذه الحُقب 

من السنين.