من الدارمي العراقي آني أطول الكل

فلكلور 2023/01/26
...

  شكر حاجم الصالحي


أرسل لي أحد الأصدقاء من المولعين بالدارمي العراقي مجموعة من النصوص راغباً في سماع وجهة نظري فيها بوصفي من المشتعلين بالكتابة في هذا الحقل الجميل، وقد اخترت من بين تلك النصوص هذا البيت لما فيه من طاقة تعبيريَّة وفسحة تأويليَّة تمنح الباحث القدرة على الكشف على كل خفايا النص ومعانيه المضمرة، ووجدت في النص أيضاً رداً ضمنياً على كل من يحاول نسبة هذا النوع الشعري الى غير أهله من العراقيين، متذرعاً بمختلف الأسباب لهذا الشعور الذي لا يستند الى حقائق النشأة والتأريخ وهذا البيت الدرامي الأثير الذي اخترته هو:

ضيكة وكصيرة اردان دشداشة الذل

ألبسها كلي شلون واني أطول الكل

وقبل الخوض في موضوع هذا الدارمي لا بُدَّ من تقريب وشرح مفرداته العاميَّة لغير العراقيين لكي يصل المعنى المراد، فـ ضيكة: من الضيق، كصيرة: قصيرة، دشداشة: ملبس/ زي، كًلي: قل لي، شلون: كيف؟، واني أطول: أنا أطول/ قياس، وهكذا يقترب المعنى من دلالته.

بدءاً لا بُدَّ من القول إنَّ هذا الدارمي العراقي الروح والكبرياء الذي عُرف به أبناء وادي الرافدين ورثة الحضارات العظيمة في سومر وأكد وبابل وآشور، والنص تعبيرٌ حيٌّ عن إباء العراقي ورفضه لكل أشكال الإذلال والظلم، وهو بهذه الصياغة الموجزة يؤكد أنه أسبق تأريخياً من "الهايكو" الياباني الذي شاع وانتشر في أيامنا الأخيرة، وعراقيَّة الدارمي منبثقة من التراث الرافديني وما فيه من ألقٍ وتحضرٍ وانكسارات، ولا وجود لهذه الروحيَّة في بلاد اليابان التي نشأت بعد حضارات الشرق بظروفها المختلفة والمعبرة عن واقعٍ مختلفٍ تماماً ما بين بلاد الرافدين وبلاد الساموراي.

لنتأمل هذا الدارمي برؤية ثاقبة فنكتشف أنَّه إجابة على دعوة أحدهم للتكيف مع الحال والقبول بما تفرضه طبيعة العلاقة المختلة بين طرفي الصراع، فقائل البيت (المجهول) يجيب الداعي بنبرة عراقيَّة متحدية ومعبرة عن جوهر الشخصيَّة الرافدينيَّة التي امتحنتها تجارب الحياة وعلمتها الصبر على احتمال المظالم، والوثوب بوجه الطغاء المستبدين، فالمعنى لا يحتاج الى الذهاب بعيداً في البحث عن مراد القائل وعلو نفسه، فـ (دشداشة الذل) لا تليق بالعراقي الذي خيرته الصعاب، وأعطى الدماء الزاكية من أجل كرامة الوطن وشعبه، فالقائل (أطول الكل) وهذا هو الاعتداد بالنفس والسمو الى الأعلى، إذ ليس المقصود القياس بالياردة أو المتر، وإنَّما يعني الارتفاع والشموخ عن الآخرين الذين لا يرتقون الى منزلة القائل.

وخلاصة القول في هذه الحكمة الشعريَّة، أنَّ الإنسان (العراقي) لا يمكن أنْ يخضع لشروط واشتراطات الأغيار في العيش وفق تصوراتهم وإراداتهم، فلا يطيق أبداً (دشداشة الذل) ليس لأنها (ضيكة وكصيرة)، بل لأنَّها لا تنسجم مع إبائه وكبريائه، وفوق هذا لا يمكن له أنْ يلبسَ زياً غير ما يناسبه ويتفق مع مزاجه، وهو الذي يدرك أنه (أطول الكل) فهو صاحب التاريخ والإرث البطولي والتضحيات الكبيرة في مقارعة الظالمين، ومهما تكن ظروفه فلن يرضخ لإرادة الغرباء والطامعين، لأنه عراقي الروح والشكيمة، وهذا ما يعززه فينا هذا البيت من الدارمي الجميل والذي يمتلك الكثير من الدلالات المعبرة والعظيمة.

ويا ليت كل العراقيين على اختلاف مشاربهم يرفضون (دشداشة الذل) مهما تكن التحديات.. ورحم الله أبا نصير موسى العميدي الذي أرسل لي هذا البيت في مناسبة قريبة.