النَّسر البرونزي يهدد وحدة الاوروغواي

بانوراما 2023/08/13
...

 مايتي فيرنانديز سيمون
 ترجمة: بهاء سلمان


اعتقد رئيس أوروغواي، "لويس لاكال بو"، أنه قد وجد أخيرا حلا لما يعرف بالنسر النازي، فمجرّد مسألة معرفة ما ينبغي فعله مع تلك القطعة الأثرية كان يمثل أمرا يضايق هذا البلد الجنوب أميركي منذ أن اصطادها الباحثون عن الكنوز من نهر "ريو دي لابلاتا" سنة 2006. وهذه القطعة عبارة عن نسر برونزي يبلغ ارتفاعه أكثر من 180 سنتمترا ويزن نحو 350 كيلوغراما، يمسك بميدالية صليب معقوف كبيرة في مخالبه.
وكان هذا التمثال يجلس في الماضي على قمة زورق "الأدميرال جراف سبي" الحربي، وهو طرّاد ألماني ضخم تم إغراقه في خليج مونتيفيديو سنة 1939 بعد تعرّضه لأضرار في أول معركة بحرية في الحرب العالمية الثانية. التمثال الآن في المخزن، وتعود ملكيته لبلد لا يريده، لكن لا يسعه، كما يبدو، التخلّص منه.
طلبت الحكومة الألمانية من أوروغواي عدم عرض "المتعلقات النازية"؛ كما حذر مركز سيمون فيزنتال (منظمة يهودية تتابع شؤون ضحايا الهولوكوست اليهود وتلاحق مرتكبيها النازيين– المترجم) من أنه إذا تم بيعه بالمزاد، فقد يشتريه المتعاطفون مع النازية.

مقترح مرفوض
كانت فكرة الرئيس آنذاك هي تدمير التمثال، وقال للصحفيين في وقت سابق أنه سيتم تذويبه وتعاد صياغته على شكل حمامة، وسوف يتحوّل رمز العنف إلى رمز للسلام.
وافق النحات الأوروغواياني الشهير "بابلو أتشوغاري" على القيام بهذا العمل بلا مقابل. ووصف الرئيس هذا الجهد بأنه "إشارة من بلدنا وشعبنا إلى العالم الخارجي، بأننا مجتمع سلام، ونحن مجتمع متحّد." كانت الاستجابة حادة وسريعة، وسلبية بشكل ساحق. إذ كتب رئيس شركة أبحاث السوق غروبو رادار، ومقرها مونتيفيديو على تويتر: "هذا النسر، بكل ما يحمله من رمزية مأساوية، هو جزء من تأريخ البشرية". وأشار إلى أن النسر يجب أن يوضع في متحف إلى جانب القطع الأثرية الأخرى المنتشلة من الطرّاد غراف سبي.
وجاءت بعض أشد الآراء المعارضة من حلفاء لاكال بو، حيث قال "غويدو مانيني ريوس"، الذي ينتمي حزبه، كابيلدو أبيرتو، إلى الائتلاف المناصر للرئيس، إنه يفكر في إصدار تشريع لوقف تدمير النسر. ويقول "خايمي يافيه"، أستاذ العلوم السياسية والمؤرخ بجامعة الجمهورية في مونتيفيديو، أن هناك قيمة في الحفاظ على النسر كدليل على الماضي، ويضيف: "ان الماضي الذي نحاول تجنّبه يعيش تماما في ذاكرتنا عبر الروايات المتوفرة لدينا، وهذه القطعة هي واحدة منها."
رضخ الرئيس لهذه الضغوط بسرعة، وقال: "في الساعات القليلة الماضية، اعتقد أن هناك أغلبية ساحقة لا تساهم بالقرار، وإذا ما رغبنا بتحقيق السلام، فإن أول شيء علينا القيام به هو الإتحاد؛ ومن الواضح أن هذا المقترح لم يتناسب مع هذا الهدف. لكن يجب على أي رئيس الاصغاء لآراء شعبه." وكتب النحات اتشوغاري على تويتر، معبرا عن موافقته: "رمز السلام والوحدة لا يمكن أن يولد من الفتنة."

صراع قديم
ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية، أرسلت ألمانيا النازية الطرّاد غراف سبي إلى جنوب المحيط الأطلسي لمضايقة سفن الحلفاء. وهذا الطرّاد سمي على اسم أدميرال في الحرب العالمية الأولى، كان قد لقي حتفه في جزر فوكلاند القريبة، وكان قد أغرق تسع سفن على الأقل قبل أن يشتبك مع ثلاث سفن حربية بريطانية قبالة سواحل أوروغواي في 13 كانون الأول 1939.
تعرّض الطرّاد لأضرار جسيمة في معركة ريفر بليت؛ وكانت أوروغواي آنذاك ملتزمة جانب الحياد في بداية الحرب العالمية الثانية. وقام كابتن الطرّاد غراف سبي، الكابتن "هانس لانغسدورف"، بوضع طرّاده في مونتيفيديو للاصلاحات، لكن مع اعتقاده بأن عملاء الاستخبارات البريطانية يمكنهم الوصول إلى السفينة وتقنيتها، سرعان ما أمر بإغراقها في "ريو دي لا بلاتا". وتم العثور على لانغسدورف في أحد فنادق بوينس آيرس بعد ثلاثة أيام، منتحرا.
وبقي النسر تحت مياه النهر حتى شباط 2006، عندما استعاده الممولون الآخوان "ألفريدو" و"فيليبي إتشيغاراي" والغواص "هيكتور بادو". فطالبت الحكومة بملكية القطعة الأثرية للدولة، وبدأت معركة استمرت سنوات لكسب ملكيتها.
وبحلول العام 2019، أصدرت محكمة في اوروغواي أمرا يقضي ببيع الحكومة للنسر في مزاد، مع ذهاب بعض العائدات لصالح عملية تعويض الأخوين إتشيغاراي. بيد ان المزاد توقف وسط اعتراضات جماعات يهودية والحكومة الألمانية وآخرين قلقين من أن ينتهي الأمر به إلى أيدي المتعاطفين مع النازية. وتعد أوروغواي، أحد أصغر دول أمريكا الجنوبية، البالغ عدد سكانها أقل من أربعة ملايين نسمة فقط، وهي موطن لأحد أكبر الجاليات اليهودية، بعد موجات الهجرة خلال القرن العشرين. وحاليا، يقبع تمثال النسر في إحدى المستودعات الحكومية، وفي طي النسيان.

صحيفة واشنطن بوست الأميركية