وظيفة مؤسسات الفكر ومراكز الدراسات

آراء 2023/10/10
...

 د. خالد هاشم

 تعد مؤسسات الفكر ومراكز الدراسات، واحدة من بين أهم المؤثرات في صياغة وصناعة السياسات للدولة والمجتمع، من خلال تقديمها الحلول الملائمة للمشكلات، التي تواجه الدول، لكنها في الوقت نفسه أقلها فهماً وتقديراً، وهي بمثابة مراكز أبحاث سياسية مستقلة يتم إنشاؤها بهدف إجراء الأبحاث وإنتاج معارف مستقلة متصلة بالسياسة، وهي تسد فراغاً في غاية الأهمية بين العالم الأكاديمي من جهة، وبين عالم الحكم من جهة ثانية.

 ولكن كون تلك المراكز والمؤسسات الفكرية، تقوم بمعظم مهامها بمعزل عن أضواء وسائل الإعلام، يجعلها تحظى باهتمام يقلُّ عما تحظى به المؤسسات الأخرى، كالفضائيات التي انتشرت بطريقة جنونيَّة يصعب معها الفهم، وما اذا كانت تقوم بعمل يخدم صالح المجتمع والدولة، وتتحدد هذه الحالة خصوصاً في الدول المتخلفة، ومنها عالمنا العربي، ففي العراق لا تحظى تلك المؤسسات الفكرية بأي اهتمام من قبل صانعي القرار والنخب السياسيَّة، هذا إن وجدت أصلا، فالبلد يفتقر لتلك المراكز المهمة، لا سيما في هذه الظروف التي تمر بها البلاد.
 يقول ريتشارد هاس مدير دائرة التخطيط السياسية في وزارة الخارجية الأمريكية إن مؤسسات الفكر ومراكز الدراسات توفر لصانع السياسة الأمريكية فوائد عديدة منها:
1 - توليد أفكار جديدة لدى صانعي السياسة الأمريكيَّة تساعده على تجديد السياسة وتوفر له خيارات مبتكرة ومتجددة، ولكي تنجح مؤسسات الفكر في ذلك تحتاج إلى استغلال قنوات متعددة وستراتيجيات تسويق- منها نشر مقالات وكتب وأبحاث ودراسات، والظهور بصورة منتظمة على شاشات التلفزيون وفي مقالات الرأي وعلى صفحات الجرائد ومقابلات صحفيِّة، وبيانات حقائق وصفحات على شبكة الانترنت، كذلك توفر حلقات النقاش لمراكز الفكر والدراسة خيارات متعددة، فالبحاثون هم في الغالب مستقلون لا تقيدهم الوظائف الحكوميه وبالتالي يستطيعون اعطاء تقييم صريح للتحديات التي تواجه بلدهم ومجتمعاتهم، وكذلك توفر ردودا ذات نوعية عالية. ومن الأمثلة على ما توفره تلك المراكز من أفكار جديدة، هو ما نشرته مجلة فورين أفيرز لمقال بعنوان “أسباب التصرفات السوفياتية”، وهو مقال كتبه الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان، ساهم هذا المقال في إقامة الأسس الفكرية لسياسة الاحتواء، التي اتبعتها الولايات المتحدة خلال العقود الأربعة التالية ضد الاتحاد السوفيتي. ثم نشرت مجلة فورن افيرز سنة 1993 مقالًا للعالم السياسي في جامعة هارفرد صموئيل هنكتون بعنوان “صدام الحضارات”، هو بمثابة مساهمة اشتملت على بذور تطور قابلة في النقاش الدائر حول السياسة الخارجية الأمريكيَّة في حقبة ما بعد الحرب الباردة. كما أسهمت دراسات قام بها مركز الدراسات الستراتيجية والدولية، ومعهد هيرتيج وبروكنغز بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أسهمت جميعاً في النقاش، الذي دار داخل الحكومة الأمريكيَّة حول الستراتيجية المناسبة والواجب اتباعها لمواجهة التهديد “الإرهابي” في الداخل والخارج.
2 - توفر خبراء للعمل (توفير المواهب) في الحكومة ومؤسسات الدولة، تعتبر هذه الوظيفة التي تؤديها تلك المراكز بالغة الأهمية في النظام السياسي الأمريكي، ففي كل انتقال للسلطة يتم استبدال مئات الموظفين من الدرجة المتوسطة أو من كبار الموظفين في السلطة التنفيذية، وتساعد مؤسسات الفكر والدراسات الرؤساء على سد هذا الفراغ، من خلال ما توفره من خبراء ومستشارين للعمل في تلك الوزارات. فقد استعان رونالد ريغان بمؤسسة هيرتيبج ومؤسسة هوفر لتشكيل هيئة خبرائه ومستشاريه في الحكومة، وكذلك ادارة بوش الابن الذي ملأ وظائف المستويات العليا في جهاز السياسة الخارجية بخبراء من تلك المراكز البحثية. ومن جهة أخرى توفر هذه المراكز للموظفين الرسميين بعد مغادرتهم مناصبهم الحكومية مواقع مؤسساتيَّة يستطيعون فيها تشاطر ما اكتسبوه من خبرة وتبصر، خلال خدمتهم في الحكومة، والاستمرار في لعب دور مؤثر في النقاشات وتشكيل نوع من مؤسسة ظل غير رسمية، وهو ما يطلق عليه سياسة “الباب المفتوح”، وهو ما تنفرد الولايات المتحدة به وهو من مصادر قوتها. ففي أغلب دولنا المتخلفة، يجد المرء فصلاً حاداً بين الرسميين الحكوميين المحترفين، وبين المحللين الأكاديميين.
3 - إشراك الجمهور من خلال تثقيف الموطنين وتوعيتهم بنوعية التحديات التي تواجههم، فمع ازدياد اندماج العالم أكثر فأكثر، باتت الأحداث والقوى العالمية تطول حياة المواطن اينما كان، وتؤثر فيه، وأصبح للمواطن دورٌ فعالٌ، من خلال التأثير في سياسة دولته، وهنا يأتي دور مراكز الدراسات والفكر، من خلال توفير منتديات ولقاءات يمكن فيها للمواطنين وطلاب الجامعات والمثقفين أن يتناقشوا حول الأحداث الدولية.
4 - كما يمكن أن تلعب مراكز الدراسات دوراً في رعايتها للحوارات الحساسة، وتأمين وساطة بين الأطراف المتنازعة الداخلية أو الخارجية، من خلال رعايتها لمفاوضات وحوارات غير رسمية، فقد لعب مركز الدراسات الستراتيجيِّة والدولية دوراً في إطلاق مشاريع لتحسين العلاقات الإثنية بين سكان يوغسلافيا السابقة، ولمد جسور بين الانقسامات الدينية - العلمانية في اسرائيل وتسهيل الحوار اليوناني- التركي، وكذلك مؤسسة كارنيجي منذ الثمانينيات باستضافة سلسلة اجتماعات في واشنطن، جمعت بين القادة السياسيين ورجال الدين ورجال أعمال وممثلي العمال والأكاديميين، ووجوه المعارضة في جنوب افريقيا (نظام الحكم العنصري) في المنفى ومسؤولين من الحكومة الأمريكية، ساعدت هذه الاجتماعات على اقامة أول حوار وعلى إيجاد أول تفاهم حول مستقبل جنوب افريقيا، خلال فترة الحكم الانتقالية. ففي أحيان كثيرة تكون الجهود الحكومية غير مرغوب بها، لكونها طرفاً في نزاع وكبديل عنها يأتي دور تلك المراكز لتلعب هذا الدور والقيام به، باعتبارها مراكز مستقلة
وعلميه.
 نستنتج مما سبق أن هناك دورًا كبيرًا ومهمًا ممكن أن تلعبه مراكز الدراسات والفكر، وما ممكن أن تقدمه من خبراء واستشارات ووصفات للحلول السياسية، وهي صفه تميزت بها الدول المتقدمة، والتي استطاعات النجاح وتجاوز كل المشكلات التي تواجهها. ولكن للأسف في عالمنا العربي، نحن نفتقر إلى تلك المؤسسات المهمة وهي إن وجدت أما شكليَّة أو واجهات صورية.
 ورغم أن العراق اليوم يواجه تحدياتٍ ومن أنواع مختلفة، وعلى مختلف الأصعدة، إلا أنه لم يستطع خلق وإنشاء مراكز دراسات، يمكن أن تسجل حضوراً ودوراً مهما في مواجة التحديات، التي تواجهه، لا بل وإن وجدت، فهي محاربة أو تشوه تحت ذرائع أنها تمثل جهاتٍ معارضةً أو مرتبطة بجهاتٍ خارجية.