علامات الشفاء من المرض الهولندي

اقتصادية 2024/03/14
...

عبدالزهرة محمد الهنداوي

هل فعلاً، نحن مصابون بالمرض الهولندي؟.. طيب، كيف انتقلت العدوى إلينا؟ وما أعراض هذا المرض؟، هل هو مرض فيروسي، أو جرثومي؟ ، هل هو عضوي أو نفسي؟، هل يعد من الأمراض المزمنة، التي لا يُرجى لها علاج؟.. ولماذا سُمّي بهذا الاسم؟ هل جاءت العدوى من أمستردام مثلا؟، لماذا لم يُسمَّ باسم بلد آخر؟.
المرض الهولندي هو توصيف للعلاقة بين ازدهار التنمية الاقتصادية، في ظل وفرة الموارد الطبيعية مثل النفط، يقابل هذه الوفرة، تراجع حاد في مساهمة قطاعي الزراعة والصناعة، في تشكيل الناتج المحلي الإجمالي، وغياب هذا التوازن ربما سيرفع من قيمة العملة الوطنية، وهذا الأمر يؤدي إلى اختلال واضح في ميزان الصادرات والواردات.
وللمقاربة، فإنَّ حالة الدول التي تعاني المرض الهولندي، تشبه إلى حد ما، حال العامل بأجر يومي جيد، يمكنه من خلال هذا الأجر توفير متطلبات حياته بشكل لائق، من دون التفكير بادخار جزء من دخله، أو أن يسعى إلى استثماره في مشروع مستدام، ولذلك فإنَّ هذا العامل وبمجرد فقدان فرصة العمل، سترتبك أحواله، ويصبح غير قادر على تأمين متطلبات الحياة!
أما لماذا حمل المرض اسم هولندا؟، فهذه القصة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما اكتشف الهولنديون الغاز الطبيعي عام 1959، حيث تأثرت هولندا بهذا الاكتشاف الذي جلب لها أموالاً كثيرة، تسببت بخلق حالة من الاسترخاء، و(التنبلة)، وبالتالي ليست ثمة حاجة للصناعة والزراعة، فالأموال تكفي لشراء أي شيء يحتاج إليه الناس، في ظل ريعية الاقتصاد.
نحن في العراق، ربما كانت إصابتنا بالمرض الهولندي أشدّ وطأة من هولندا نفسها، فقد لعب بنا النفط (جولة)، حتى استفحل المرض، لدرجة أنَّ الجميع يطالب بحصته من النفط، (رواتب، غذاء، دواء، سكن، ماء، كهرباء، خدمات.. إلخ إلخ) فغاب الاستثمار، وغاب القطاع الخاص، واختفت الصناعة، واضمحلت الزراعة، فمَن ذا الذي يزرع أو يصنع، وكل شيء متوفر؟!!! حتى إذا ما انهارت أسعار النفط، حلّت الكارثة، ونزل البلاء!!، حدث ذلك لمرات ومرات، في ظل توافر البلد على قدرات وإمكانات لا يستهان بها، بل هي محط حسد من قبل شعوب أخرى!!
هل ثمة أمل في الشفاء من المرض الهولندي؟.. نعم، الأمل كبير وقريب، وعملية الشفاء مرهونة بالتزام المريض، بإرشادات وتعليمات الطبيب، بل لعلّي أذهب إلى أبعد من ذلك لأقول إنَّ بوادر الشفاء من المرض بدأت تظهر فعلاً في جسد الاقتصاد العراقي، فمشاريع مثل ميناء الفاو الكبير، وطريق التنمية العملاق، والمناطق الصناعية، والمدن السكنية، والطرق، وسياسات دعم الزراعة، وتوطين الصناعات الدوائية، ونمو صناعة الإسمنت، والتوجه نحو صناعة البتروكيمياويات، كلها علامات شفاء واضحة، عززها وجود إقبال كبير، ورغبة جامحة من قبل كبريات الشركات العالمية، للاستثمار في العراق، وبدت هذه الرغبات واضحة خلال زيارة رئيس الوزراء الأخيرة إلى هولندا، وألمانيا، إذ أبدت شركات البلدين وغيرهما من البلدان اهتماماً بمستوى عال وهي تسعى للظفر بفرصة استثمارية، من تلك الفرص التي سيولدها طريق التنمية، ومترو بغداد، وسواهما من المشاريع، فهم يدركون جيداً أنَّ بيئة الاستثمار في العراق ما زالت بكراً. ومما لاشك فيه أنَّ كل هذه التحولات ستؤدي إلى تحقيق تنوع اقتصادي رصين، وتحرر الاقتصاد من نير العبودية النفطية، ويشعر كل إنسان أنه يشكّل حلقة من حلقات البناء السليم، بعيداً عن الاتكالية المطلقة على (حصته من النفط)!!