شراكة العراق وأميركا.. الأحلام والحقيقة

آراء 2024/03/28
...

ساطع راجي

كانت عبارة موحية ومهمة تلك التي ختمت بها السفيرة الأميركية في بغداد ألينا رومانوسكي مقالتها المنشورة في جريدة الصباح (13 آذار 2024)، إذ تقول (عندما أتحدث مع الشباب العراقيين..يخبرونني أنهم يرغبون بخدمات يمكن الاعتماد عليها وتعليم أفضل وفرص عمل أكبر وحياةٍ أفضل وفرص أكثر.
وبمعرفة كل ما يمكننا تحقيقه معاً من خلال شراكة ستراتيجية قوية بين الولايات المتحدة والعراق، نستطيع أن نكون جزءاً من تحويل أحلامهم إلى حقيقة)، المشكلة إن العراقيين يحلمون بالأمور نفسها منذ عشرات السنين دون أن تتحقق وكانت الاحلام أكثر اتقادا في آخر عشرين سنة، حيث كانت الولايات المتحدة موجودة في العراق بكل ثقلها وشريكا قويا للحكومات العراقية في إدائها وبالتالي تتحمل حصتها مما حدث ومما لم يحدث هنا.
ما يمكن أن نتفق عليه مسبقا، هو إن الولايات المتحدة تمثل ركنا أساسيا في تكوين النظام السياسي في العراق، سواء عبر الإطاحة بنظام صدام الاستبدادي أو في دعم بناء منظومة الدولة والحكم بعد ذلك، وأيضا يمكن أن نتفق على أن علاقة ستراتيجية وثيقة ودائمة مع الولايات المتحدة هي في مصلحة العراق كما هو الحال بالنسبة لأي دولة أخرى، فالولايات المتحدة شريك لا يمكن الاستغناء عنه في مختلف القطاعات.
أما نقاط الاختلاف مع مضمون مقالة السفيرة رومانوسكي، فهي كثيرة وفي مقدمتها ولعل أكثرها أهمية هو غياب الوضوح في طبيعة المصالح الراهنة والمستقبلية، التي تضمنها العلاقة الستراتيجية لكل طرف، إذ لم يحدث خلال العشرين سنة الماضية أن صرح مسؤول أو سياسي عراقي بما يمكن أن يقدمه العراق للولايات المتحدة مقابل ما يريده منها، وبالمثل لم يتطرق المسؤولون الأميركيون إلى أهدافهم هم من هذه العلاقة، وهذا الغموض، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، يؤدي إلى كثير من المشكلات.
مما يؤسف له، إن السفيرة تتطرق في مقالها إلى كثير من المشاريع التي مولتها بلادها في العراق في مجالات الكهرباء والمياه والمدارس ودعم النازحين والصحة، وتؤكد أن بلادها أنفقت 11 مليار دولار خلال 20 عاما، وهو مبلغ بالمقاييس العراقية ليس كبيرا، لكن السفيرة لم تهتم بأن تلك الجهود لم تحقق أهدافها وما زال العراقيون يحلمون بتحققها، وهي تعرف ان العراق ليس بحاجة إلى أموال وإنما النزاهة والإدارة الرشيدة ويمكن لأميركا الدعم فيهما لو أرادت.
الملف الأمني هو الحلقة الأكثر سخونة وتعقيدا في العلاقة الأميركية العراقية، وتؤكد السفيرة إن بلادها “ملتزمة بأمن العراق واستقراره وسيادته”، لكن تقييما عاما للشراكة الأمنية بين الطرفين يكشف ان الالتزام الأميركي لم يكن بمستوى التوقعات وصار العراق مضربا للمثل في الفشل الأميركي، ومن الواضح أن واشنطن انتقائية جدا في مستوى التعاون الأمني والعسكري مع أصدقائها، فالعراق يتعرض لشتى أنواع الاختراقات خارجيا وداخليا دون أن تتخذ أميركا أي موقف وهو ما يستفز العراقيين جميعا عندما يقارنون الوضع مع أصدقاء أميركا الآخرين.
تتحدث السفيرة الأميركية عن 5000 آلاف عراقي تلقوا تعليما عاليا في الولايات المتحدة خلال 20 سنة، وهناك المزيد منهم في المستقبل، لكن السفيرة التي تجولت في العراق كثيرا، هل تعتقد إن الوضع الطبيعي في بلد يحمل هذا العدد وأكثر من أبنائه شهادات الجامعات الأميركية؟!.
إن شراكة ستراتيجية دائمة بين العراق وأميركا تحتاج إلى الوضوح في الأهداف والنوايا من الطرفين، وأداء وموثوقية من الجانب الأميركي يساوي العراق ببقية حلفاء واشنطن في المنطقة على مستوى الدعم الأمني والاقتصادي والتقني، وأن تلتزم واشنطن بدعم الدولة العراقية لا بدعم الأطراف العراقية.