احتكار الرأي

آراء 2024/04/14
...







 حسب الله يحيى 


الاحتكار.. أيا كان شكله، احتكار التجارة والسياسة والعمل.. حتى احتكار المحبة بشخص معين دون سواه من عباد الله؛ مرفوض.

احتكار الدين بفئة، واحتكار الوطن بجماعة، واحتكار المال بنخبة، واحتكار المناصب والمنافع والمشاريع بأفراد معينين.. كلها مرفوضة.

احتكار الحكم بحزب، واحتكار الحزب بقرار رئيسه، واحتكار الإدارة بمديرها، واحتكار المغانم.. وحتى احتكار شارع أو حي أو حتى بوابة مصعد في وزارة ما بالوزير دون غيره..؛ كلها حالات مرفوضة.

وأسباب الرفض كثيرة..

موسوليني احتكر الحكم لنفسه ولحزبه أكثر من عقدين، والنازية احتكرت حكم ألمانيا لسنوات طويلة، واستأثر صدام حسين بالسلطة 35 عاما والشاه في ايران تفرد بالحكم واحتكره، وكذا اتاتورك في تركيا..

الاحتكار.. يعني قتل حرية الآخرين والاستئثار باموالهم وعقولهم.. والاحتكار.. لا يقوم ولا يحيا ولا يثبت أركانه إلا عن طريق المنافقين والمنتفعين والانتهازيين.. ولذلك بدأت الدعوة والنداءات المستمرة إلى ان يحكمنا خصومنا حكما عادلا، بدلا من أن يحكمنا أصدقاؤنا حكما جائرا.

هذه الدعوة غير مقبولة على صعيد القيم والهوية الوطنية.. ولكن ماذا نفعل بالصديق ان كان لا يعدل بيننا، ولماذا نعادي خصمنا.. ان كان قد حقق العدل بيننا؟!.

الحزب الواحد.. ليس كل الشعب.

العشيرة والقبيلة.. ليست كل أهلنا.

المعلم.. ليس معلما لابناء الذوات وحدهم.

الأب.. ليس مربيا لأطفال من صلبه وانما من شريكة حياته كذلك.

والأم.. ليست أمًا للجميل من ابنائها فقط وإنما لكل أبنائها من الذكور والاناث، من السوي والمعاق..

الحزب والعشيرة والقبيلة والمعلم والأب والأم.. لا بد أن يدركوا جميعا انهم بانفرادهم هذا يسيئون إلى انفسهم ولمن حولهم..

خيرات الوطن للجميع، في ما الدين لمن يعتقد به.. لذلك يفترض بنا أن نميز بين ما يعتقده الواحد منا، وما يعتقده غيرنا، وأن ندرك في الوقت نفسه ان الوطن هو الجامع لكل المعتقدات والمكونات، وليس ملكا لأحد بعينه.

لذلك نشأت الأحزاب، حتى تتحاور وتتفاعل مع بعضها.. وصولا إلى ما يعزز مكانة الوطن والمواطن.

إنها لم توجد من أجل أن تتبوأ السلطة.. فالسلطة ليست احتكارًا لأحد..

انها لم توجد حتى تخوض صراعات مع غيرها من الأحزاب، وبالتالي أن يدين أحدها الاخر ومن ثم تجري التصفيات، ليكون الأقوى نفوذا، هو الأقوى حضورا!

الحضور.. ليس قوة غاشمة.

الحضور.. قوة عقلانية، خبيرة ونزيهة وعادلة، مهما كان عددها، فالوطن به حاجة إلى حضور هذه القوة، لأنها بخبرتها وادراكها وتجاربها وعلميتها وأساليبها؛ تعرف كيف تقود البلاد إلى بر الأمان، ومن ثم لها القدرة على اعمار الانسان عقلا وممارسة..وهذا هو الحكم الرشيد الذي يقوم على خبرات وطنية، مع مراعاة عدم احتكار هذه الخبرات على حزب أو فئة أو عشيرة..

الرأي البناء، هو سيد الموقف، والموقف بلا سيادة الرأي العلمي والمنطقي والوطني ؛ مجرد رأي عابر وموقف هش.

والرأي لا يعني أبدا ان يشاور مدراء الدوائر انفسهم مع وزيرهم حسب، ولا أن يشاور الوزراء انفسهم مع زملائهم حسب.

المهم.. أن نتجاوز احتكار الرأي بأنفسنا، وأن لا يكون من هو الأكبر سنا هو بالضرورة الأهم وجاهة أو الاغنى مالا أو درجة وظيفية هو بالضرورة صاحب الرأي المطلق.

فالآراء ليست شيئا ثابتا ومطلقا للأبد.. الآراء تختلف وتتباين على وفق الزمان والمكان والمعرفة ورجاحة العقل؛ وليس تغييب الآخرين.

الآخرون ليسوا الجحيم كما نظرت اليهم وجودية سارتر.

الاخرون.. هم المنقذ من الضلالة ومفتاح الحل وذلك عن طريق الرأي، الذي لا تحكمه الاهواء ولا تسيره المنافع.

الرأي.. ليس الجحيم، وليس التفرد، وليس الأقوى.

الرأي.. علم ومعرفة وفطنة ورجاحة عقل.

الرأي.. هندسة عقل نير، وممارسة أياد نظيفة، همها وشاغلها؛ هو الوطن وسعادة أبنائه، وبعكس ذلك سيظل الوطن (شماعة) للانتهازيين، والبلاد نهبا (للمستغلين) والدين الحنيف سبيلا من سبل الهيمنة على عقول وعواطف وارواح الاخرين، و(الوطنية) شعارا هامشيا لا يخلص اليه احد ولا يعنى بأمره الا الندرة 

المهمشة!! 

اذن.. احتكار الرأي يعني احتكار العقل وتدمير الذاكرة والروح معا.