هل تستطيع قناة بنما إنقاذ نفسها؟

بانوراما 2024/04/28
...

 ميشيل فلوري 

 ترجمة: مي إسماعيل

أشهر الممرات المائية في الأميركيتين يواجه الجفاف؛ فعلى خلاف ما عليه الحال في قناة السويس؛ تتغذى القناة من مياه بحيرة «جاتون» العذبة، التي بات مستوى المياه فيها ينخفض بشكل خطير.

بعد رحلة متقلبة المسار بالقارب عبر بحيرة جاتون، يشير «نيلسون جويرا» عالم الهيدرولوجيا من هيئة قناة بنما إلى مسطرة معدنية صدئة توجد تحت برج في الجانب الغربي من الماء قائلا: «يمكن أن نرى أن مستوى الماء على المسطرة يشير إلى نحو 25 مترا؛ وكان يجب أن يكون الآن أعلى بنحو متر ونصف». على مسار القارب يرى المرء جذوع أشجار قديمة بارزة فوق سطح الماء؛ لم تقطع أثناء أعمال التشييد بالبحيرة.

في الظروف الاعتيادية لم يكن يظهر سوى عدد قليل من تلك الجذوع سابقا؛ لكنها اليوم تبدو في طريقها نحو الجفاف. 

تعتمد قناة بنما على مياه الأمطار، التي أصبحت شحيحة الآن. ساهمت قلة الأمطار وظاهرة «النينو» المناخية (= حين تكون درجات حرارة سطح البحر أكثر دفئا من المتوسط، عند وسط وشرق المحيط الهادئ قرب من خط الاستواء- المترجمة) بحدوث ثاني أكثر الأعوام جفافا في تاريخ القناة الممتد لـمئة وعشرة أعوام. كان شهر تشرين الأول الماضي الأكثر جفافا منذ بدء التوثيق؛ إذ شهد إقليم قناة بنما هطول أمطار أقل من الطبيعي بنسبة 41 بالمئة، وبات الجفاف يُهدد بمواصلة تعطيل انسيابية البضائع التي تتدفق عبر الطريق المختصر بين المحيطين الأطلسي والهادئ سنويا، والتي تبلغ قيمتها نحو 270 مليار دولار. 

أضطرت (هيئة تشغيل القناة) لاتخاذ تدابير لتوفير المياه؛ قل معها عدد السفن المارة عبر القناة يوميا؛ لأن الماء مطلوب من البحيرة لكي يقوم بتشغيل أقفال القناة. جرى إنقاص عدد السفن العابرة من 36 إلى 24، وكل سفينة تحتم عليها أن تحمل كمية أقل من البضائع بسبب مُقيدات الوزن. 

وهذا التباطؤ ينذر بمشاكل للتجارة العالمية. خلال الأوضاع الطبيعية تستخدم نحو خمسة بالمئة من التجارة العالمية البحرية الممر المُختصر بين المحيطين الأطلسي والهادئ، ونحو أربعين بالمئة من حركة الحاويات في الولايات المتحدة. فإذا تعرض هذا الممر للجفاف ستضطر شركات الشحن لإيجاد بدائل؛ مما يُطيل زمن الرحلات ورفع التكاليف. 


خطط للاستدامة

لا يمثل نقص المياه بقناة بنما مشكلة بالنسبة للتجارة العالمية فحسب؛ إذ تُجهّز سلطة إدارة القناة أيضا مياه الشرب لنحو نصف سكان البلد؛ وبضمنهم سكان العاصمة «بنما سيتي». لكن مسؤولي القناة يتخذون خطوات لضمان إستمرارها لقرن آخر من الزمن ولما بعده.. تقول «إيليا إسبينو دي ماروتا» أول مديرة للصيانة في هيئة قناة بنما أن الجهود تبذل لإيجاد حلولٍ لضمان استمرار تدفق المياه إلى القناة: «لا نتمنى تكرر هذه المشكلة، ولا نريد تقليل عدد عمليات النقل أو الحمولة».

اهتمت السلطات بتطوير خطة يجري بمقتضاها استثمار ثمانية مليارات دولار في مشاريع الاستدامة خلال السنوات الخمس المقبلة، وتأمل ان تُساهم تلك الخطة بإبقاء الممر المائي المتأرجح على قيد الحياة؛ حتى عندما تهز التغييرات الكوكب. تتحدث دي ماروتا عن تغيرات المناخ؛ قائلة: «بنما دولة تتمتع بأمطار كثيرة، لكننا أصبحنا نرى نمطا قادما لإنخفاض هطول الأمطار؛ يؤثر على جميع الارجاء، وعلينا الاستعداد للمستقبل». أحد التدابير الواضحة لمعالجة الموقف يتضمن الحفاظ على المياه؛ إذ تعمل قناة بنما بنظام يسمح بعبور السفن عبر سلسلة من الأقفال الواقعة فوق مستوى سطح البحر، تغذيها بحيرة جاتون وبحيرة ألاخويلا- Alajuela” الأصغر حجما. 

تستهلك كل سفينة تعبر الأقفال نحو خمسين مليون غالون من الماء؛ لكن حفنة من الأقفال الجديدة التي أنشئت سنة 2016 (أقفال نيو- باناماكس الأكبر حجما) توفر نحو ستين بالمئة من تلك المياه. 

مع ذلك ما زالت أقفال قناة بنما القديمة قيد الاستخدام، وتُعتبر عملية اصلاحها مشروعا رئيسيا. كما وجدت ادارة القناة طرقا لإعادة استخدام المياه من أحدى حجرات الأقفال؛ بما يسمى بالملء المتقاطع؛ ليوفر مياها تعادل ستة معابر يومية. وتُفكر السلطات أيضا ببناء خزانات للماء؛ وهو أول مشروع رئيسي منذ اكتمل بناء الاقفال الجديدة سنة 2016. 

لغرض توفير المزيد من المياه خلال الأشهر الممطرة ولزيادة الامدادات عند أوقات الجفاف؛ يرغب مُشغلو القناة ببناء سد على نهر “إنديو” القريب، وضخ المياه العذبة إلى بحيرة جاتون (المُغذي الرئيسي للقناة). وتلك الخطة ستساهم بزيادة حركة السفن بمقدار 12 إلى 15 سفينة يوميا.

لكن المضي بتلك الخطط لن يكون سهلا؛ فالمشروع لم يحصل على موافقة الكونغرس بعد، وعمليات الانشاء ستستغرق عدة سنوات. 

ومن الخيارات الاخرى- بناء محطات لتحلية المياه؛ إذ أدت قلة الأمطار إلى زيادة ملوحة البحيرات والأنهار؛ وهو تحدٍ يجب معالجته مع أكبر مصدر للمياه الصالحة للشرب. لكن هذا الخيار مُكلِف؛ إذ تتطلب عمليات ازالة الأملاح من مياه البحر كمية هائلة من الطاقة. كما أن استمطار السُحُب لأجل تكثيف المزيد من الأمطار ليس مستبعدا؛ إذ رغم أن عملية زرع جزيئات الملح الكبيرة في السحب لتعزيز هطول الأمطار تبدو عملية مستقبلية؛ لكنها موجودة منذ الأربعينيات.


بين المناخ والتجارة

يتحتم الوصول إلى حلول في القضية خشية أن تصبح التجارة العالمية أكثر اضطرابا،إذ باتت أقل استقرارا هذا العام. ولقد انخفض حجم التجارة عبر قناة بنما بنسبة 49 بالمئة، مقارنة بالذروة التي بلغتها سابقا. يقول “خوزيه سرفانتس” مدير شركة الشحن “أغونسا”- فرع بنما، إن عملياتهم اليومية تضررت، وعانت عمليات شحن نحو مليوني طن من البضائع (المنسوجات والأغذية) من التأخير بسبب إضطراب الحركة في قناة بنما، والمشكلة أنه لا توجد طرق مختصرة جيدة أخرى.

 قبل أزمة البحر الأحمر الحالية تحولت مسارات بعض السفن التي تنقل البضائع من آسيا إلى قناة السويس. ولأن هذا الخَيار أصبح أقل أمنا؛ ازداد الطلب على النقل بالسكك الحديدية والطرق البرية عبر بنما. لكن سرفانتس يقول ان تفريغ وتحميل البضائع من السفن إلى القطارات والشاحنات يرفع تكاليف الشحن: “وتلك التكاليف يجري تحويلها عادة إلى المستهلك”. 

اذا هطل المطر في شهر أيار كما هو متوقع؛ تُخطط إدارة القناة لزيادة عدد السفن المارة عبرها؛ لكن هذا ليس الّا حلاً قصير الأمد. فأصبح تغير أنماط هطول الأمطار بمثابة تذكير بالتأثير الكبير الذي يمكن أن يُحدثه تغير المناخ على التجارة العالمية على المدى الطويل.. وعلى مستقبل قناة بنما. 


بي بي سي البريطانية