البيئة.. ضحيَّة الحرب الصامتة

بانوراما 2024/05/05
...

 اليخاندرو مارتن رودريغز
 ترجمة: أنيس الصفار  

مع مـرور الذكرى السنوية الثانية للغزو الروسي الواسع لأوكرانيا. تبرز آثار الدمار التي خلفها هذا الغزو واضحة للعيان مثيرة للألم.. مئات الالاف من الناس قتلوا او جرحوا وملايين النازحين،
اضطروا لترك مساكنهم ومناطقهم والمستشفيات والمدارس حل بها دمار كارثي ووصلت ارتدادات ازمات الغذاء والطاقة الى كل ركن من العالم. رغم ذلك شهدت الحرب الروسية الأوكرانية أحد أوسع الجهود للتعامل مع الاثار البيئية الهائلة، التي تسبب بها هذا النزاع المسلح.
خلطة فريدة من العوامل اجتمعت فدفعت بالثمن البيئي الناجم عن حرب أوكرانيا إلى الواجهة، ومن بين تلك العوامل ما بذل من جهود لإضافة “إبادة البيئة”، وهو التدمير الشامل للبيئة الطبيعية، الى قائمة اعمال الحرب في أوكرانيا التي تخضع للحساب والمحاكمة، بالاضافة الى الجهد الدبلوماسي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومؤتمرات قمة “التغير المناخي” لإيضاح الارتباطات ما بين الحرب وأزمة المناخ. كان العامل المحوري في هذا التحول هو استخدام احدث التقنيات المتطورة في رصد التداعيات البيئية في مناطق النزاع. هذه التقنيات من شأنها التأثير على السلام في أوكرانيا وخارجها إذا ما استخدمت بالشكل الصحيح.

تقنيات مراقبة البيئة
منذ بداية الحرب توجه برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة ومعه الحكومة الأوكرانية الى استخدام تقنيات التحري، عبر المصادر المفتوحة وصور الاقمار الاصطناعية وانظمة المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد لرصد الاثار البيئية للصراع، وقد أتاح لهم هذا أن يلتقطوا بدقة “الإرث السام” للحرب واجراء تقييمات بيئية سريعة، كما حدث في حالة خرق سد كاخوفكا في صيف 2023. النتائج التي توصلوا اليها كانت مروعة وقد برهنت على وجه للحرب كان متوارياً ذات يوم. من بين تلك النتائج: تسميم الهواء والمياه والأرض بشكل لم يسبق له مثيل، الى جانب حرائق الغابات وإبادة الغطاء الخضري التي من شأنها تهديد صحة الانسان وسلامته، ناهيك عن تسببها بملايين الانبعاثات من ثاني اوكسيد الكاربون الناتجة عن حركة القوات ونقل الجنود والذخائر. كل ذلك كلف البلد اكثر من 56 مليار دولار على شكل اضرار بيئية، وفقاً لما توصلت اليه عمليات التحري البيئي.
بإيقاع سريع أخذت التقنيات الجديدة المستخدمة لرصد ومراقبة البيئة في مناطق النزاعات تغير كيفية حصول الخبراء على البيانات أولاً بأول، حيث أدت الوثبات المتقدمة في تقنيات مراقبة الأرض الى الارتقاء بدقة البيانات ووضوحها زمانياً ومكانياً بواسطة الطائرات المسيّرة الصغيرة المزودة بوسائل متقدمة لالتقاط الصور الحية. وفي أواخر السنة الماضية نشرت المجلة الدورية للصليب الاحمر مقالة بينت كيف حفزت التطورات التكنولوجية الأخيرة على حدوث ثورة في جهود التحقيق والتحري، التي تربط الصراعات المسلحة بالضرر البيئي. سهولة استخدام هذه التطورات أتاحت للمستخدمين، حتى غير المؤهلين تقنياً، أن يكون لهم دور في هذه الثورة. وهو الأمر الذي ألهم شريحة متنامية من خبراء التحقيق، الذين يعتمدون على المصادر المفتوحة، وهي شريحة تضم أشخاصاً يعيشون في قلب مناطق الحدث، ويستخدمون هواتفهم الذكية، لتسليط الضوء على ما يلم بالطبيعة حولهم من دمار.
هذه التطورات ساعدت على توفير كم هائل من البيانات الفورية عن المناطق المتأثرة بالنزاعات، وإذا ما أدمجت مع تطبيقات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي لمعالجة البيانات، فإن الرؤى التفصيلية النافذة الى الاعماق، التي سيمكن الحصول عليها لن تكون مسبوقة من قبل.
هذه البيانات المستخرجة لها أهميتها الخاصة لأنها تخلق فرصاً جديدة للسلام، ما يساعد العاملين في مناطق الصراع على وضع مخططات للوقاية والوساطة اكثر احساساً بالمناخ. يعمل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة على وضع مناهج متكاملة لبناء “السلام البيئي” بهدف الارتقاء بالثقة الاجتماعية والقدرة على الصبر والتحمل في ظروف الصراع. فمن خلال التعاون في مشروع مبتكر مشترك، سيعمل هؤلاء على وضع وسائل مراقبة على الأرض تستعين بتقنيات الاستشعار عن بعد لدمج الوعي بالجوانب “الاجتماعية-الاقتصادية” للمجتمعات المحلية والأنظمة البيئية المحيطة بهم في اطار تحليلاتهم للنزاع المناخي.

الهدف النهائي
بوسع التكنولوجيا الجديدة ان تسهل القيام بعمليات تفتح آفاقاً جديدة لتحقيق السلام، ولكنها في الوقت نفسه يمكن أن تسفر عن تهديدات جدية قد تقوض تلك العمليات، إذ أن إساءة استخدام البيانات التي يتم جمعها والتكنولوجيا الرقمية يمكن ان تغذي حملات التضليل الإعلامي وتتحول الى سلاح من اسلحة الحرب الهجين. كذلك فإن الجهات العاملة في هذا الميدان، مثل المنظمات الانسانية، قد تتسبب بالأذى للسكان الواقعين تحت وطأة النزاعات اثناء ممارستها عملية جمع البيانات، وذلك عن طريق التأثيرات الجانبية غير المتعمدة التي يمكن ان تنجم عن تطبيقات حماية البيانات ومنع انتهاك الخصوصية او اساءة تناقل المعلومات الحساسة.
هذه التطورات التكنولوجية، التي اوحى بها تزايد الاهتمام بالتكلفة البيئية جراء الغزو الروسي، استثمرت تمويلاً بقيمة ملايين الدولارات لتأسيس آليات تنسيق تعمل على جمع البيانات في أوكرانيا وتحليلها، واذا ما استخدمت بيقظة وتنبه للمخاطر ربما ستصلح كمخطط أولي لتفهم الطبيعة على اعتبارها “الضحية الصامتة” للنزاعات في مختلف انحاء العالم. أما الهدف النهائي من ذلك فهو التوصل الى وصف دقيق ومفصل للثمن البيئي الذي يفرضه اي نزاع، ثم بناء قضية مقنعة لوضع الجرائم البيئية موضع المحاسبة. فالطبيعة التي لم يكن لها صوت باتت قادرة على الكلام الان عبر لغة التكنولوجيا.

عن مجلة {فورن بولسي} الأميركية