د.جواد الزيدي
يستكمل الفنان إياد الموسوي في معرضه الذي أقامه على قاعة أكد ببغداد مؤخراً الموسوم (تحديات وجودية) ما بدأه زمن المحنة العام 2020 حيث فايروس كورونا الذي استطاع تقويض الذات الإنسانية وتحييدها عن فعلها اليومي والإطاحة بملايين البشر، بما شكل ظاهرة للرؤية المغايرة في الفن، إذ استبدل أدواته التقنية ومرجعياته الفكرية التي يتخذها آنذاك، في ضوء استبدال زهاء اللون بعتمة السواد وألوان الفحم التي أصبحت بديلاً لتلك الألوان الشفافة والزاهية، وقد حاول من خلال ذلك إلى سلسلة معارض انتهت إلى هذا المعرض ومقدماته في معرض (تناقض) الذي أقامه في العاصمة المغربية نهاية العام 2024وهو قائم على قيمتي (السواد والبياض) ليعكس تلك التعارضات اللونية المقترنة بتناقضات الوجود وثنائياته التي تحيط بنا.
عمد الفنان إلى الاقتصاد في اللون إلى الحدود القصوى، حيث قيم السواد التي جسدتها مادة الفحم على الكانفاس التي رسمت بها الأشكال والمرموزات الممثلة لموجوداته وأشياءه المحببة المحيطة به، وفي الجانب الآخر استطاع تكييف البياض أو ما يقابله من ألوان أوكرية ووردية فاتحة تمثل الفضاءات الداخلية والخلفيات الساندة للشكل المرئي، حتى توصل إلى إيجاد علاقة ضدية قائمة على هذا التناقض الحاد أحياناً، مستثمراً الدلالة في اللون والخطاب في الوقت نفسه، بما يمنحنا قيمة جمالية بإتجاهين على مستوى التلقي المحايد من خلال بنيتي الشكل (العميقة والسطحية)، لكنه في حالة استجلاب منظومة اللون (الأحمر القاتم، والأخضر المائل للسواد، والأصفر) فأنه لم يتعدَ حدود الثيمة التي رسمها لخطابه البصري واستدراج المفردات جميعها المُعبرة عن المضمون إلى سطحه التصويري، فالأحمر القاتم له دلالته التي تُشير إلى الأسى والقسوة وما يعادلها من مفردات يُمكن ترحيلها إلى المفهوم الذي يتقصده.
ومن أجل استكمال ما بدأه من قبل، وسعيه إلى تكريس الثيمة المضمونية نفسها والتقنية السالفة، مُضيفاً عليها بعض التحديثات التي تتواءم مع طبيعة الحدث الذي تفرضه المرحلة المقرونة بما ندعوه (فن المحنة) واستكمال مشروعه هذا وما ترشح من معطيات الواقع الخارجي التي أثرت بمدركات الفنان للوصول إلى هذه النتائج، واعتماد (الفحم) وحده في رسم الأشكال وإن كانت العناية في الفضاءات الداخلية تعتمد بعض الألوان. ففي هذا المعرض يستحضر الفنان فكرة الخلود وما يقابلها مفهومياً في موضوعه الأساس، مجسدة بصراع الثنائيات المُتضادة عبر التاريخ الإنساني، ومحاصرة الذات وتحدياتها المستمرة والمتواصلة لكل ما يحيط بها، ليعكس محنة الإنسان وهو يذهب بقواه الكاملة إليها، أو يمد أطرافه نحو النوافذ المجهولة التي تحاول اجتلابه من فضائه العلوي وترمي به إلى الأسفل نحو الهاوية، حيث يُحيل تلك الأجساد والوجوه الملونة، والورود المتشظية إلى أشلاء تعصف بها دوائر الحياة وأمواجها المتلاطمة، على الرغم من علامات الحماية التركوازية (سباعية العيون) القابعة في الذاكرة الجمعية. ومن خلال مبدأ الاستعارة واتساع فعله في الموروث الشعبي العراقي، فأنه يستعير شيئاً من التراث الشعري العربي معبراً عن القلق الإنساني تم تجسيده بفارس يمتطي حصانا متعثر الخطى، كأن الريح تحمله إلى غير ما يشتهي ويريد، ليتم تهشيمه إلى أجزاء يتحول عندها إلى هياكل مفتوحة على الاحتمالات
كلها.
يعمل إياد الموسوي على تجسيد الأفكار في خطابه البصري وتحديداً في هذا المعرض من خلال فضاء اللوحة ومنظومتها اللونية التي تتضح فيها سيادة اللونين (الأحمر والأصفر) الذي يشير كل منهما إلى واقعة الموت والخوف والقلق. ومن أجل تكريس مفهوم المُصاحبة أساساً في تمثيل تلك الوقائع في بنيتها الكلية، يحاول استحضار المفردات والوجوه والأمكنة والموجودات المحيطة في حياته الشخصية التي تعكس انتمائها إلى الفنان نفسه من دون أدنى شك في ذلك، لتصبح شكلاً مرئياً تُظهره تجليات الخطاب البصري، أو هي صور من مراحل حياته الفعلية عبر مبدأ استعاري يستجلبه من أعماق التاريخ العراقي بالمقاربة مع مآسي الإنسان، وتثوير مفهوم المحنة التي أحاطت به منذ وجوده الأول. الإنسان المُحاصر بشِباك الصيد والمصدات والأُطر التي تتكسر وتمنع الذات من تحررها. طبقات تتداخل وسفن تُبحر عبر محيطات ألوان الحزن والأسى، إنه صراع المتضادات (الموت والحياة) التي صورها على هيئة شواهد قبور حجرية بهيئة أمامية نُقشت عليها أسماء الخالدين الموتى، ومن خلفها أسراب نخيل معتمة تمتد عبر الأفق الطويل الذي يصل إلى اللانهاية بما تعنية من مرموزات للخصب والحياة.
إن اشتغالات هذا المعرض تكمن في تتويج مرحلة تتسم في التعبير المباشر عن الفكرة الرئيسة وعما يحيط بالفنان وبنا على السواء، وإن أحاط خطابه بالرمزية التي لا يمكن من خلالها التوصل إلى المسكوت عنه إلاّ بطاقة تأويلية تنسجم مع توصلاته السابقة ومتابعه تجسيدات سطحه التصويري، بيد أن بعض فجوات السطح التصويري ومجمل الخطاب تمنحنا من جهة أخرى الولوج إلى تلك الثيمات الكامنة فيه من خلال مادة الفحم ورمزيتها في الثقافة الشعبية العراقية، أو قيم السواد أيضاً. وفي حالة إياد هذه فأنه لا يدير ظهره للواقع وحوادثه ومنتجاته، بل يتماهى معها حتى يصل بها إلى خطاب جمالي يتصف بالشفافية من جهة والتعبيرعن القسوة والألم في مضمونه
الداخلي.