وارد بدر السالم
ثورة التكنولوجيا الإلكترونية العظيمة تضع مثقفي الكتابة وأدبائها في واقع جديد وخيال أكثر تطوراً من خيال الماضي، بالمواقف المستحدثة التي تطلقها ثورة ثقافة الاتصالات المتنوعة، لتعزيز صلة العلم بالمجتمعات العالمية. ومن ثمَّ فإنسان هذه المجتمعات المعاصر، هو كسب مبدئي في حاضر التكنولوجيا، وتنمية بشرية عقلية وعلمية في التصدي الإبداعي للمستقبل. ومع هذا الاتساع الجمالي في تكنولوجيته المعلوماتية الرافدة، تتطور مبادئ كثيرة في ضوء معطيات أكثر مرونة وصعوبة في الوقت نفسه، كما يحدث الآن في ثورة الاتصالات والوسائل الكومبيوترية المتعددة والبرمجيات المختلفة.
ولعل الثقافة والآداب بالوصف العام، ستكون أمام موازنات حتمية في تتبع نسخة الحاضر الاجتماعي المتقدم تكنولوجياً على نسخة العصر الماضي ببساطته ومرونته، بل وحتى فطرته الأدبية والثقافية والاجتماعية، ومن المؤكد بأنّها ستميل الى الحاضر واستشراف المستقبل عبره، لذلك فإن الأجيال الحالية التي تواكب علميات هذا الزمن، ستكون الأوفر حظاً من الأجيال التي سبقتها في الوجود الكتابي والأدبي. فالحياة العلميَّة آخذة في التوسّع في مرافق الحياة كلها، ما صغر منها وما كبُر. ومن ثم فإن اللحاق بهذه المنظومة المتقدمة كهدف عالمي، تحتاج الى وعي أشمل من وعي تَريّض على البساطة والجاهزيَّة، وأفكار تُستحدَث من الواقع الذي تغيّر وسيتغيّر كثيراً بفضل المناهج العلمية التي دخلت وستدخل في مفهومية التطور والتحديث في المجتمعات العالمية.
يمكن قراءة الكثير من المستقبل العلمي على ضوء ما ترشّح حتى الآن من معطيات. لكن بالمقابل علينا أن نستشرف واقع الآداب والفنون والثقافة العامة. في ضوء مسلّمات بات من الطبيعي أن نتقبلها ونسير معها فالعلم لم يفارق الأدب، ولا الأخير افترق عن العلم. كلاهما مغذّيان أصيلان للإبداع منذ زمن طويل، وهذا معروف في الأدبيات والعلميات في الكثير من الروايات والقصص العلمية ذات الخيال المفتوح. لكن تكنولوجيا العلم ومعطياته الثرية، هكذا نسميها؛ اخترقت الخيال الى حدٍّ بعيدٍ والى طاقةٍ قصوى من الخيال، بما يسمّى ما بعد الخيال الفائق الذي يعبر محددات الخيال الطبيعي الى غيره في أفق العلم المنفتح. لذلك نترقب ما تتمخض عنه هذه التكنولوجيا من مخاضات أدبيَّة لاحقة، يبدو بأنها ستغيّر الكثير من الأطروحات الأدبية بأشكالها وثيماتها المتعارف عليها.
مستقبل العلاقة بين الأدب والعلم ستُستَشرف لاحقاً، لكن أولياتها بدأت في الثورة الإلكترونية من مواقع التواصل الاجتماعي التي لا تخضع الى رقابة الدول حتى البرمجيات المتعددة التي تطلقها شركات متخصصة في تثوير العالَم والحياة. وليس المستقبل ببعيد عن أن الروبوتات تتكلم باللغات كلها. وهذا ليس جديداً تماماً. كانت فذلكاتها حركية مجهزة بأنظمة داخلية تساعدها على كل شيء. إلا أن المستقبل القريب؛ ومع الذكاء الاصطناعي الخارق؛ سيجعل من الروبوتات تجيد الحوارات وتجيب عن الأسئلة كلها، بما يعني الاستغناء عن الصداقات ذات المصلحة الشخصية. وتعزل الناس عن بعضهم بطريقة واضحة، وهو أمر ليس صعباً ولا مستحيلاً، ما دامت سيارتك الشخصية ستحاورك وأنت تقودها. بمعنى أن السيارة الشخصية هي روبوت شخصي يقيم معك، وأن شخصاً ثرياً أمريكياً من أصل كندي هو ايلون ماسك يعد الأمريكيين بأنهم سينتقلون الى المريخ بعد سنتين، بعد أن تُرسل سفينة ستار شيب الى هناك، كأنما تهيّئ المكان وتعمل على ترتيبه، فيتحول المريخ من فضاء سابح في السماء الى لا مكان محدد بصفات أدبيَّة ونقديَّة.
ماسك يعمل منذ فترة على رقمنة الدماغ البشري بإجراء تجارب بشرية صريحة، ومثل هذا (اللعب) بعقول الناس والسيطرة على مدركاتهم وأفكارهم قد يكون طبيعياً في عام 2030 بعد السيطرة على تردداتهم عبر الشرائح المزروعة في الأدمغة. وهي رقائق كومبيرترية أرخص من القمامة على حد وصف أحد العلماء. الثورة التعليميَّة في الغرب العلمي ستكون عبر العدسات اللاصقة وحركة الرموش. الطب سيأخذ طريقه الى تكنولوجيا العلم ومستحدثاته الجبارة في مواجهة الأمراض. سيستبدلون لك الجلد والعظام والكبد والمثانة والعيون والذراع والأصابع والقدم. ومن الممكن جداً أن تعود اليك ذكرياتك القديمة مع شرائح ايلون ماسك السرية. لتقف على حقيقة مشاعرك في تلك الفترات الماضية وتعيد اللقاء مع نفسك عبر الماضي الذي سيكون أمامك، ولكنك للأسف لا تستطيع تصحيحه بالشكل الذي تأمله. اكتشاف العالم الموازي أو الإدعاء بأنه تم اكتشاف بعض حلقاته، أمر ليس طبيعياً، لمجرد شعورك بأن هناك أناساً يعيشون معك لكن في مكان مجهول من الأرض أو حتى تحت الأرض. حتى الدعوات القائلة بأن الأرض مسطحة وليست كروية، يتوجب النظر اليها بدقة والبحث عن مصدرية تلك الادعاءات. فالعلم الذي يكتشف ويسرّب الينا أخباره المثيرة في سباق علمي متسارع، نرى بأنه يغذّي مدونات الأدب بالكثير مما يطلقه. حتى أن أفكار الخيال العلمي الجديدة، ليست بمعزل عن خيال الأدب الذي دخل بوابات العلم من باب الخيال، لكن الخيال أو بعضه يتجسّد ويتجسّم بصوره الأكثر اثارة في الحياة العالميَّة.
ثمة من يقول بأن العلم يُطلق حرباً فكريَّة دقيقة جداً، كأن فيها إعجازاً أبعد من التصور والخيال. وهذا أمر إيجابي عندما يكتشف العلم مثابات جديدة في الحياة والأرض والفضاء. لتكتسب الثقافة العامة تجربتها هي أيضاً، لكن مع أجيال أخرى مقبلة من هذا الافتراق الضمني مع الثقافة الماضية. فاذا كانت الآداب والفنون تمثل تراثاً شفاهياً تم تدوينه وكتاباته في هذا العصر، فإن المستقبل الثقافي، والأدبي على وجه التخصيص، سيقف أمام حالات غير سهلة في ملابسات العالم التي ستُكتشف بإثارات غير مسبوقة. وسيكون لاحقاً تراثاً للبشرية، عندما يتقدم العلم كثيراً، ويكتشف ما لا يمكن لنا الآن أن نتصوره ونتخيله.