الجيش الأبيض.. وجهٌ وضاحٌ، وثغرٌ باسمُ

آراء 2020/04/04
...

عبد الزهرة محمد الهنداوي 
 
جيش يحملُ من الرحمة ما ليس لها نظير! وله من الشدّة على الأعداء ما يعجز الواصفون عن وصفه. وهل من المنطق، وهاتان الصفتان لن تجتمعا إلا لدى الجيش الأبيض الذي لا يشبه كل جيوش الدنيا، جيش لا يقاتل بدبابة وليس لديه مدفع، 
ولا يقصف بطائرة كما لو كان أعزل من كل سلاح. 

ولكن، إذا ما نزل إلى الميدان فإنّه لا يشق له غبار، ولم يُعرف عنه الاستسلام، وكأنّك ترى فيه وصف المتنبي الذي يقول: ( تمرُّ بكَ الأبطال كلمى، هزيمةً، ووجهُكَ وضّاحٌ وثغرُكَ
باسمُ ).
والحديث هنا عن الملاكات الطبّيّة والصحيّة في العراق، هذه الملاكات التي وقفت وقفةً بطولية مشرّفة وهي تواجه عدواً شرساً، ذاك هو فيروس كورونا المستجد، الذي غزا كلّ دول العالم، وتمكّن من دكّ حصونها وإسقاط دفاعاتها التي كانت تعتقد أنّها قوية، ولم يكن يدرْ بخلدها يوما أنّها ستواجه عدوا بهذه
الشراسة.
أمّا نحن في العراق، فقد كانت دفاعاتنا، على الرغم من تواضع إمكاناتنا، بمستوى المسؤولية، بعد أن تمكّنت من الوقوف والدفاع بقوة ضد هذا العدو غير المرئي، حتّى باتت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق النصر الذي سيحتفل به كلّ العراقيين، وذلك عندما يتم رفع حظر التجوال، لتعود الحياة إلى طبيعتها من دون 
كورونا.
حقيقة، ومن دون أدنى مجاملة، لقد كان لملاكاتنا الطبيّة والصحيّة دوراً بطولياً في التعامل مع هذا الوباء، وقطعاً  أنّ مهمة مثل هذه تكون محفوفة بالمخاطر، إذ يقف هؤلاء الأبطال بنحو مباشر في مواجهة الفيروس، وهم يعلمون بخطورة ما يقومون به، واحتمال إصابتهم بالفيروس واردة 
جدا. 
ولكنهم، لم يعيروا هذا الأمر آذانا صاغية، ومضوا في طريقهم يقاتلون عدوهم، ويذودون عن حياض أهلهم وناسهم من مخاطر المرض، من دون أن ينسوا مهامهم الأخرى التي تقتضي قيامهم بتقديم الخدمات إلى سائر المرضى والمحتاجين لهذه الخدمات، فالأمراض الأخرى لم توقف أنشطتها كما توقفت أغلب الأنشطة الحياتية
الأخرى! 
ولعلّ نظرةً سريعة إلى مساحة انتشار كورونا في العراق، وبالمقارنة مع دول أخرى قريبة وبعيدة، تكشف بوضوح حجمَ الجهود والتضحيات التي قدّمتها ملاكاتنا الطبيّة والصحيّة في ظلّ ظروف قاهرة وصعبة ومعقدة جدا، ونجحت في التصدي
للعدو.
وإذ نتحدث عن مستوى البطولة والتفاني، لأبطال الجيش الأبيض، فإنّ الإنصاف يقتضي، أيضا، أن نمرَّ على الجهود الأخرى التي عزّزت ودعمت تلك البطولة وذلك التفاني، بعد أنِ التحق كلُّ العراقيين بصفوف هذا الجيش، بدءاً من قواتنا الأمنية بجميع صنوفها، التي لم تدّخر جهدا وهي تسهر من أجل حماية الناس عبر متابعتها لفرض حظر التجوال، بينما أبقت عيونها مفتوحة لكي
لا يستغل الأشرار الظروف، ويسعوا إلى بثّ شرورهم، هنا أو هناك، مرورا بما قدمه الزملاء الإعلاميون من عظيم جهد في مسارين اثنين: الأول، متابعة تطورات الأحداث، وإحاطة الرأي العام بها علما أولاً 
بأول. 
والثاني، توعية الناس بمخاطر هذا الوباء وضرورة الالتزام بالتعليمات الصحيّة، وعدم الخروج 
من البيت. 
أمّا استجابة المواطنين العراقيين لتلك التعليمات والتعاطي الإيجابي مع الواقع المستجد، حتى تتغير الحال، فقد كانت بمثابة خط الصدّ الأول في عملية المواجهة للفيروس، من دون أن ننسى الخروق غير المسوّغة لحظر التجوال وعدم الالتزام بالتعليمات، وقد تصدت القوات الأمنية لذلك، وعالجته بأساليبها 
الخاصة.
وممّا عزّز ودعم بطولات الجيش الأبيض، المواقفُ العظيمة للمرجعية الدينية التي عوّدتنا على أسمى وأنبل المواقف إزاء القضايا الوطنية والتصدي للأزمات، فكان لموقفها أبلغ الأثر في شحذ الهمم ورفع الروح المعنوية لدى الجميع. 
كما من المروءة للمتحدث عمّن تجلبب بمسوح الرحمة، وانضم إلى جيشنا الأبيض، الإشارة إلى أولئك الميسورين الذين حملتهم مروءتهم  إلى حمل ما تيسر لديهم ليقدموه بروح الرحمة والتكافل العراقي إلى الأسر العراقية التي تضررت بفعل حظر التجوال، ليعينوهم على مواجهة هذه الظروف الاستثنائية، فكان لذلك الفعل أثراً بليغاً في تعزيز جهود أبطال الجيش الأبيض.
ولكن، ومع كلّ البطولات والتضحيات ومستوى العطاء الذي قدمه الجيش الأبيض والعراقيون جميعا، فإنّ المعركة لم تُحسم بعد، وعدوّنا ما زال يتربص بنا محاولاً إحداث خرقٍ هنا أو هناك، والتسلّل إلى الخطوط الخلفية ممّا يستدعي البقاء على أهبة الاستعداد، واتخاذ إجراءات الحيطة والحذر والانتباه الشديد، لأنّ أيّ تهاون أو خلل سيكلّفنا خسائر جسيمة، فتذهب كلّ تلك التضحيات والبطولات أدراج الرياح " وكأنّك يا أبا زيد 
ما غزيت". 
ولكن ثقتنا بأبطالنا كبيرة.
تحية وسلام لأهل الرّحمة والسلام، أبطال جيشنا الأبيض، والتحيّة موصولة ، لكلّ من دعم ويدعم بالقول والفعل والالتزام.