رأس الخيط

آراء 2019/02/20
...

قيس قاسم العجرش
 
الإصلاح ليس قراراً أبداً. يعني علينا الّا نتخيل الإصلاح وكأنه(صحوة) تعتري صاحب القرار الأعلى فيملأ مؤسسات الدولة عدالة وإنصافاً كما مُلئت بيروقراطية وفساداً. الإصلاح هو تبني منهج واضح يفهمه الناس، ويُشرع البرلمان بأداء دوره الرقابي على وفقه. والنجاح هنا ليس كما تصوّره مخيّلات البسطاء بأنه انقلاب على عشرات المسؤولين، وزجّهم بالسجون وتصويرهم بـ(الأوفر!)البرتقالي، في الحقيقة فإن من يفعل ذلك بداعي الإصلاح سنتوقّع منه أن ينتج منهجاً أكثر فساداً مما هو موجود بالأصل.
الإصلاح هو معرفة (رأس الخيط) في أسباب النكوص الاقتصادي ومحاربتها. وكذلك تشخيص النافذة الأساسية التي تصرف فيها الأموال العامة. كيف ترشّد هذه النافذة؟، الجواب هنا هو رأس الخيط المعني، مرّة أخرى.
ومع اختلاف أوزان أبواب الصرف، سيُعنى الإصلاح بتقييم وإجابة السؤال التالي: من أين نبدأ، وأين نركّز الجهود أولاً؟.
في عام 2006، كان العراق يرزح تحت ضربات الإرهاب بشكل غير مسبوق، وكانت معدلات سقوط الضحايا من المدنيين تتجاوز 3000 آلاف ضحية في الشهر(بينما انخفض في كانون الأول 2019، بحدود 155 ضحية). وقتها عملت على تحقيق صحافي عن الأطباء العاملين في طوارئ المستشفيات. أحد الأطباء الشباب قال لي: إننا مع كل إعتداء إرهابي، ووصول الجرحى بمختلف إصاباتهم، فإننا نعمل على إنقاذ الجرحى الذين يمكن إسعافهم أولاً، أمّا الجرحى من ذوي الإصابات الشديدة والمشارفين على الموت، فإننا نسعفهم بالإسعافات الأولية فقط. وقتها اعتبرت أن هذا السلوك غير متوافق مع القواعد الإنسانية، لكن لو اخذنا بنظر الاعتبار أن مستشفى ضعيفا بإمكانياته يتلقى دفعة واحدة مئات الجرحى، فالإجراء الصحيح هو ترتيب الأولويات. والصحيح والواقعي فعلاً بل والمهني ايضاً، هو إنقاذ الذين يمكن إنقاذهم. وهذه قضية مناطة بخبرة الطبيب القائم على خدمات الطوارئ.
الإصلاح لا يخرج عن هذه القاعدة المهنية، وهي أن تتوجه الجهود بالدرجة الأولى الى القطّاعات التي يمكن أن تقدّم خدمات فعلية للمواطن، سريعة ومضمونة وتعطي فرقاً مرئياً. لأن القطّاعات التي تحتاج الى الإصلاح إنما هي غير متساوية في أهميتها وفي سرعة استجابتها للجهود المبذولة.
وكذلك فإن الموارد الاقتصادية الداعمة لأي مشروع إصلاحي لا يمكن أن تكون مطلقة وكافية لجميع الزوايا المطلوب إصلاحها، وهنا تغدو عملية تشخيص الأولويات هي صلب عملية الإصلاح. شخّص الأولويات، وستبدأ عملية الإصلاح تلقائياً.