أمجد نجم الزيدي
يمثل مفهوم التعاطف في الأدب والفن إشكالية معقدة، تتراوح بين كونه وسيلة لإثارة الوعي بالقضايا الإنسانية، وبين احتمالية تحوله إلى استغلال رمزي للمعاناة، تناقش أنا فيبرنسكا في كتابها (التعاطف في الشعر المعاصر بعد الأزمات)، كيف أن الشعر الذي يتناول الأزمات الكبرى، لا يقتصر على نقل التجربة الإنسانية فحسب، بل يطرح تساؤلات حول دور التعاطف الإنساني في بناء الوعي الجمعي، وحدود هذا التعاطف بين المساندة الحقيقية والتوظيف الاستهلاكي، تصوغ فيبرنسكا مفهوم التنافر التعاطفي (empathetic dissonance)، الذي يعكس حالة من التوتر بين الاستجابة العاطفية العميقة من جهة، وإدراك أن هذه الاستجابة قد تكون محكومة بسياقات خطابية أو سياسية تجعلها عرضة للشك أو حتى التوظيف غير الأخلاقي، تمتد هذه الإشكالية إلى الفنون البصرية، حيث يصبح التعاطف أداة بصرية وسياسية قد تنجح في إثارة الجدل، لكنها قد تسقط في فخ الإثارة العاطفية المجردة من العمق النقدي.
يمثل الفنان الصيني آي ويوي (Ai Weiwei) نموذجاً بارزاً في توظيف الفن كأداة نقدية لمساءلة السلطة وكشف الانتهاكات، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الفن والسياسة، نشأ آي ويوي في ظل القمع السياسي في الصين، حيث كان والده الشاعر آي تشينغ منفياً خلال الثورة الثقافية، ما جعله يدرك منذ الصغر هشاشة الحقيقة الرسمية التي تصوغها الأنظمة السياسية، دفعته هذه التجربة إلى تبني موقف فني صدامي، حيث جعل من أعماله بؤرة للتفاعل مع القضايا الحقوقية والإنسانية، مستخدماً وسائط متعددة تشمل الهندسة المعمارية، والتصوير الفوتوغرافي، والفن التركيبي، غير أن ما يميز أعماله هو قدرتها على إحداث صدمة بصرية تحمل دلالات سياسية، حيث يلتقط صوراً لنفسه وهو يرفع إصبعه الأوسط في وجه معالم السلطة، في تحد مباشر للهيمنة السياسية، هذه النزعة الاحتجاجية بلغت ذروتها حين تعرض للاعتقال في 2011 بسبب مواقفه المناهضة للحكومة الصينية، ما رسّخ صورته ليس فقط كفنان، بل كمعارض سياسي يستخدم الفن كمنصة للمقاومة.
تتجلى إشكالية التعاطف في أعمال آي ويوي بشكل أكثر وضوحاً في تعاطيه مع أزمة اللاجئين، حيث اتخذ موقفاً صريحاً تجاه معاناتهم، مستخدماً وسائله الفنية لنقل هذه المأساة إلى المجال البصري، غير أن أكثر أعماله إثارة للجدل كان إعادة تمثيله لصورة الطفل السوري إيلان الكردي، الذي وُجد ميتاً على أحد الشواطئ التركية بعد محاولة أسرته الفرار من الحرب، أعاد آي ويوي تمثيل هذه الصورة عبر الاستلقاء بالطريقة نفسها، في محاولة لإعادة تسليط الضوء على قضية اللاجئين، لكنه بذلك طرح إشكاليات عميقة حول الحدود بين التوثيق الفني والاستغلال الرمزي للمعاناة، فبينما رأى البعض في هذه الصورة صرخة احتجاجية قوية، عدها آخرون إعادة إنتاج بصرية لا تضيف بعداً جديداً، بل قد تسهم في استهلاك المعاناة كمنتج بصري يخضع لقوانين السوق الفنية والإعلامية.
يتقاطع هذا التوتر بين القوة التأثيرية للصورة وإمكانية تحولها إلى مجرد صدمة بصرية مع النقاشات التي طرحتها فيبرنسكا حول الشعر بعد الأزمات، إذ إن الفن، سواء كان أدبياً أم بصرياً، يحمل دائماً خطر تكرار المأساة بدلاً من إعادة تفكيكها، صدمت الصورة الأصلية للطفل إيلان الكردي العالم، لكن هل كان من الضروري إعادة تمثيلها؟ وهل أضافت هذه النسخة الجديدة فهماً أعمق للمأساة، أم أنها مجرد إعادة إنتاج لصورة فقدت وقعها العاطفي مع مرور الوقت؟ هذه الأسئلة تعكس إشكالية جوهرية في علاقة الفن بالمآسي الإنسانية، حيث يتردد الفنان بين كونه شاهداً يروي المعاناة، وكونه مشاركاً في تحويل هذه المعاناة إلى أيقونة استهلاكية.
تزداد هذه الإشكالية تعقيداً عند مقارنة صورة آي ويوي بفيلمه الوثائقي "Human Flow"، الذي تناول أزمة اللاجئين عبر توثيق معاناتهم في أكثر من عشرين دولة، على عكس الصورة المفردة التي أعاد فيها تمثيل مشهد الطفل الكردي، إذ يتيح الفيلم مساحة لفهم السياقات السياسية والاجتماعية للهجرة القسرية، وهذا يثير تساؤلاً حول هل أن الصورة المفردة أكثر تأثيراً بسبب قوتها الرمزية، أم أن الفيلم الوثائقي يسمح بفهم أعمق للقضية؟ هذه الجدلية تتوازى مع النقاش حول الشعر بعد الأزمات، حيث تواجه القصيدة المفردة خطر التبسيط أو الإثارة العاطفية المباشرة، بينما يتيح العمل الأدبي الموسّع إمكانية تفكيك الأزمة من زوايا متعددة.
يتمثل التناقض الأساسي في تجربة آي ويوي في اعتماده على أساليب مباشرة وصادمة، ما يجعل أعماله شديدة التأثير، لكنها في الوقت نفسه عرضة للاتهام بالاستعراض، هذا التوازي بين التأثير والاستعراض ليس جديداً في عالم الفن، بل يعود إلى قضية إشكالية ترتبط بالعلاقة بين الفن والسياسة، فهل يفقد الفن قيمته عندما يصبح جزءاً من النظام الذي يسعى إلى انتقاده؟ وهل يمكن للفنان أن يحافظ على مصداقيته في عالم تهيمن عليه الاعتبارات التجارية والإعلامية؟ هذا السؤال، وإن كان موجهاً إلى آي ويوي، لكن يمكننا طرحه أيضاً على العديد من الفنانين والأدباء الذين يستخدمون التعاطف كأداة فنية وسياسية.
إن تحليل صورة آي ويوي في ضوء مفهوم (التنافر التعاطفي) الذي طرحته فيبرنسكا يكشف عن مفارقة أساسية، وهي أن الفن كلما أصبح أكثر وضوحاً ومباشرة في إثارة التعاطف، زادت احتمالية أن يفقد عمقه النقدي ويصبح مجرد استهلاك بصري للمأساة، في المقابل، الأعمال التي تترك مسافة بين المتلقي والموضوع تبنى بصورة معقدة أكثر، لكنها تخاطر بفقدان تأثيرها العاطفي المباشر، ففي النهاية، تبقى العلاقة بين الفن والتعاطف علاقة إشكالية، حيث يظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان الفن قادراً على مساءلة السلطة وإعادة تشكيل الوعي، أم أنه محكوم دائماً بأن يتحول إلى منتج استهلاكي، مهما كانت نواياه الأصلية.