ثنائيَّة {حمد وحمود} في الأغنية العراقيَّة

كريم راهي
لزمنٍ طويلٍ، بقيَ الغناء العراقي حبيس (الپستة) التي كان وجودها في ختام كل وصلةِ مَقام عراقي ضرورة طربيّة. ولربّما خرج الأمر بعدئذٍ عن كونها تابعة مقامية، فاتّخذت لها مكانة مستقّلة في مرحلة الثلاثينيات من القرن الماضي بعد التغييرات الثورية التي أجراها الأخوان (كويتي)؛ صالح وداود، بعد عودتهما إلى الوطن الأم، لكّن ما بقي منها ملازماً لوصلات المقام، لم يجد لنفسه مخرجاً إلّا بتحوّل مجريات الأحوال إلى معطيات عصرية ستجد لها قبولاً بتجدّد الذائقة.
يشمل هذا ما غنّاه الرعيل الأوّل من “پستات” لم يخفت ضوؤها طيلة قرنين من الزمن، أخصّ منها “پستة” «حمد ياحمود يابو الخزاعل» التي سمعناها بأصوات شتّى من هذا الجوق أو سواه من أجواق «الچالغي» التي نقلوها شفاهاً منذ عهد سطوة قبيلة الخزاعل على منطقة الفرات الأوسط بقيادة الشيخ (حمد آل حمود) صاحب الملاحم الحربية مع العثمانيين وشيوخ المنتفق على حدّ سواء، والذي ازدهر في عهده شعر «الحسچة» أيّما ازدهار، فأنتج لنا ما حفظته الذاكرة الشعبيةّ شفاهاً - ممّا دُوّن في ما بعد- من شعر النساء الخزعِليّات: “فدعة وسيلوسة وچخيوة أم عچيرش”، من أشعار “أبي الغمسي وهتلوش”، الخزعليين كذلك، وليس انتهاءً بأشعار رفيقي ونديمي (عقيل الخزاعي) الحفيد الخامس في نسل حمد آل حمود، الذي خلّفتُه وهو يُدندن في ليل ستوكهولم الثلجيّ، بعد وصلة مقام حكيمي احتضن فيها عود (محمد فاضل) وطفق يغنّي أبياتاً للشيخ (محمد الشويهي) في مدح جدّه:
«إلى الملكِ المعروفِ شرقاً ومغرباً
إلى الجودِ والأفضالِ (حَمْدِ) أبو الحمدِ
إلى الأروع القمقام من آل خزعل
مقرّ لأرباب المجاعة والوفدِ»... إلى آخر القصيدة.
ثم يعرّج على ركبانية من أشعار (للريل وحمد) تقتضيها أصول مقام الحكيمي، محاكياً قراءة لها بتسجيل متداول بين مظفر النواب والدكتور سعدي الحديثي: ¬
«چن حمد فضّة عرس چن حمد نرگيلة»... إلخ.
فينهي “بپستة” «حمد يحمود يابو الخزاعل وخدودك اللالات چنهن مشاعل»؛ “الپستة” إيّاها التي عمادها شعر “الحسچة”. ورغم الخلل العروضي البينّ في صدر بيت الأغنية هذه، الذي مبعثه أن هذا الوزن الشعريّ الذي عُرف لاحقاً بـ (الدارمي) كان في بدايات ترسّخه، إلا أن «حمد يحمود» هذه، ستكون علامة مؤثرة في غناء العراقيين بعد ذاك.
يقول الباحث في التراث الغنائي سعدي السعدي: إنه يرى أن الشطر الثاني بالأصل كان «وسيوفك القاطعات صبحن مشاعل».
وهو ما يُضيف برأينا كسراً عروضياً آخر يجعلنا نقف أمامه متحيّرين، مفترضين البناء التالي لبيت الدارمي في شكله بدويّ الأصل - ما عُرف لاحقاً بالمحمداوي- قبل استقرار الخزاعل على نهر الفرات:
«يابو الخزاعل، يا حمد آل حمود
صارن مشاعل، وعيونك اللالات»
إن هذه “الپستة” توحي وكأنها نشيد حربي نفترض أنه ظلّ يتناقل في أوساط عرب الخزاعل في مناسبات ترتبط بإظهار القوة والفخر وسواه، وهذا بائن من مقامها الغنائي وإيقاعها الذي يُذكّر برقصات السيوف الجماعية.
لقد كان “حمد آل حمود: -الذي حكم المشيخة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر- مقصد الشعراء آنذاك من مدّاحين ومتكسّبين، وكنتُ قد قرأت أشعار الشيخ النجفيّ (محمد بن يونس الشويهي الحميدي) فيه، مادحاً إيّاه في موضع آخر من أوراقه التي حققها (كامل الجبوري):
هو (الحمد) والمحمود في كلّ موطنٍ
لدى رأيهِ السامي بحلِّ المشكلات
سيقودنا الحديث بعد ذلك إلى أشعار ابن عمّ لحمد بن حمود بن حمد وهو الشاعر مغامس بن محمد بن حمد بن عباس باشا الخزعلي (أبو الغمسي) وبعض ما قال فيه من أشعار (الميجنة) أيام معارك الخزاعل العنيدة ضدّ جيوش العثمانيين:
يا (حمد) خيل الصـبايا برّهن
ما يعرفن هورهن من برّهن
أم العلا بالسيف ماهي بالرهن
غصُب ع الپاشا يودّي كركنه
***
يا خشيف الوارده بشاطي الحمد
ورابيه في دور ما شافت حمد
يا بعد سلطان و (حمود) و (حمد)
يلتگب شطوبهم چالمدخنه
وهو الحديث الذي سيقود حتماً إلى أشعار (فدعة) في حمد، مُجيرها هي وأخيها حسين وأبيهما (علي آل صويّح):
(حمد) مرضي العرب والروم والپاشات
يجالسها ويكلّمهه بسبع لسنات
ومدائحها المنظومة فيه على وزن (النعي) الضارب في القدم:
«ديوان لـ (ابن حمود) والبيج
ضچريچ ما يطّي طريج»
لقد أُعدّت من قصّة فدعة هذه مع أبيها عِلي آل صويّح، الصدعانيين اللذين تحولا إلى (لملوم)، حيث «ديوانية» شيخ الخزاعل حمد آل حمود أواخر القرن الثامن عشر، دراما تمثيلية عراقية عُرضت منتصف السبعينيات، عن مرويّة شفاهية ونصوص شعرية قام بتوثيقها الباحث عبد المولى الطريحي في كراس حمل عنوان (فدعة الشاعرة أو خنساء خزاعة 1950)، والشاعر عبد الحسن المفوعر السوداني في كتيّبه (الشاعرة الزريجية فدعة 1967)، اللذين يُعدّان مرجعين مهمين لأشعارها.
والتمثيلية أعدّها الشاعر والملحّن (خزعل مهدي) (1928-2012) وقد حملت اسم (فدعة) ونالت قبولاً شعبيّاً وقتها. وقد أنتج حديثاً مسلسل محلّي يتناول (فدعة) أيضاً، عُرض على الشاشة الصغيرة.
وبقي اسم حمد يظهر في “الأزجال” الشعبية تارة هنا وتارة هناك، مشيراً إلى صفات البداوة المحمودة في الرجال، في هذا الدارمي أو تلك الأبوذية:
حمد يبني تلگّه الضيف حي بيه
ويزاد النذل كون سموم حي بيه
منهو الجمع ماله وراح حي بيه
البخيت الحفظ عرضه من الرديّة.
لكن اسم حمد كان قد عاود الظهور في الشعر بقوّة، وذلك منتصف عقد الخمسينيات الفائت على وجه الخصوص، من خلال قصيدة مظفر النواب (للريل وحمد) التي يُذكر أنه باشر كتابتها عام 1956، مقتفياً أثر حمد الخزعلي هذا، وهي القصيدة ذائعة الصيت تحت اسم (مرينا بيكم حمد)، وقد كتبها مظفر على وزن (النايل)، وغنّاها ياس خضر في بواكيره الفنّية بألحان محمد جواد أموري، تلك الأغنية التي بلغت شأواً عالياً جعلت ملحناً صعب المراس، هو طالب القرغولي، يغنيها بصوته في جلسة خشّابة موثّقة صوتياً، لشدّة إعجابه بها، رغم أنها من تلحين غيره!
وهي الأغنية التي ناجاها ياس خضر نفسه في نهاية مسيرته الغنائية بأغنية (يا حمد مرّ مثل ما مرينا)، التي نالت قسطاً من القبول بشفاعة من الأصل.
وكان الملحّن (خزعل مهدي) - شقيق المطربة الكفيفة هناء مهدي- قد قدّم اسم (حمد) في واحدة من أغاني الفيلم العراقي (تسواهن 1957) - وهو الاسم الذي شاع بعد صدور رواية كتبها (جعفر الخليلي) عام 1953 بنفس العنوان- وقد قدّمَت الأغنية، بإدارة موسيقية لناظم نعيم وفرقته، بطلةُ الفيلم الممثلة العراقية (رمزية حميد)، لكنها غنّتها بصوت مستعار لمطربة «ناشئة» ظهر اسمها في تتر الفيلم على أنه (دلال)، تُشير الكثير من الأصابع إلى أنها اللبنانية (دلال شمالي).
وتجدر الإشارة أن هذا الفيلم كان شرارة انطلاق دلال شمالي لكي تظهر بعدها في أفلام مصرية وأغان عربية، وقد كانت أغنيتها في فيلم (تسواهن) من كلمات خزعل مهدي -لاحظ الاسم «خزعل»- نفسه، وتبدأ بالمقطع الشعري الأساس:
حمد يحمود يحميّد يغالي
يبعد الروح غيرك ما حلالي
لظل طول العمر أهواك ماتوب
لا منساك لمخالف المكتوب
ترد روحي لمن تگعد گبالي
حمد چالنبع يجري بوسط بيده
عذب وحليو والخيرات بيده
حبايب لا تلومنّي على المحبوب لو ملني... إلخ.
كان استمرار ظهور (حمد) بداية العهد الجمهوري كثمرة من ثمار ثورة 1958 وشيوع مصطلح (الفن الريفي) الذي ساهم (باقر سماكة) و (زاهد محمد) ورهطهم بترسيخه في الأغاني والتمثيليات الإذاعية بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي، ولا بأس هنا أن نشير إلى أوبريت (غيدة وحمد) الذي كتب أشعاره زاهد محمد وذاع في الستينيات كـ (تمثيلية غنائية) إلى جانب (وردة وبدر).
وبالعودة إلى الستينيات وظهور حمد ثانية، فقد تكرر ذلك في أغنية حمدية صالح (هَيْ لدانه) في فيلم (درب الحب 1966) لحن أحمد الخليل، وورود عبارة «گولوا حمد يسلم يبعث الكم
تحية».
لكن حمد هذا لم يكن عراقياً على الأغلب، فقد كان له شأن آخر كشأن الأغنية، وقد تجاهلت المغنية (سميرة توفيق) اسمه حين أعادت تقديم أغنية (هي لدانه) بصوتها، بدارميات عراقية صرفة.
غير أن سميرة توفيق - وهي المولعة بإعادة إنتاج الأغنية العراقية وتجييرها لحساب التراث الأردني- قدّمت أغنيتها (يالمرتكي عالسيف) التي كانت لازِمتُها «يا حمد ويلي» بالضبط كما وردت في أصلها العراقي، وهي من الأغاني التي سمعناها بأصوات محلية مختلفة بمقدمة «يالمنتچي اعلى السيف سيفك چتلني»، كان حمد المخاطب فيها، هو حمد آل حمود ذاته البطل الشعبي العراقي المحارب والسخيّ في آن، الذي بقي مستقراً في الوجدان الشعبي لأكثر من قرنين، وليس أدل من هذا ظهوره مجدّداً عام 1969 في أوبريت (بيادر خير)، لكن باسم (حمود) هذه
المرّة، أبيه.
إن «حمود» المنادى في أوبريت (بيادر خير) الذي كتبه (ياسين النصير) واختار عنوانه الشاعر (عبد الكريم گاصد)، هو الشخصية المحورية، وإن اسمه يرد في أول جملة مخاطبة يبتدئها الأوبريت، مثلما يرد ابتداء في أول أغنية فيه وهي (منك يا الأسمر): «اتأملك يحمود بلچن تمرّ مَر»، في رقصة الچوبي الملحقة.
إن شخصية حمود في الأوبريت -مثّلها (فؤاد سالم)- تجسّد شخصية الفلاح الثائر على عسف الإقطاع وذيوله، وهو قائد الحركة الفلاحية ضد الهجرة الجنوبية -العمارة بالذات- للمدينة (البصرة). ولا ريب أن ورود اسم “سركال” الشيخ (سعود)، فيه تأثير ببيرغ الشرجية أحد أبطال ملاحم مظفر النواب، المرادف لحمد أو حمود.
وهكذا ألهم الأوبريت «الشيوعي» صنّاع الثقافة القومية المنتفعين من التراث الخمسيني المندثر، فتمّ الإيعاز بإعادة تلحين (حمد يحمود) الدلال شمالية، بروح وطنية جديدة أنتجت أغنية مائدة نزهت المأخوذة من نسخة فيلم (تسواهن 1957) بمفردات محدّثة عن كلمات خزعل مهدي، فقد أعاد الملحن رضا علي مطلع السبعينيات تلحين كلمات خزعل وقدمها إلى مائدة نزهت فأخذت شهرتها في زمن هيمنة الإذاعة والتلفزيون الرسميتين، وقد أُشيع يومها - وهو ليس رأياً مؤكداً بالضرورة- أنها غُنّيت تزلّفاً للرئيس «أحمد» حسن البكر! وقد جاء كل كوبليه هذه المرة مكتوباً على شكل أبوذية كاملة تحمل مضامين رومانسية ثورية كانت سمة من سمات موجة أغاني السبعينيات، قدّمتها مائدة نزهت في أكثر من محفل رسمي:
حمد چالنبع يجري بوسط بيده
عذب وحليو والخيرات بيده
تغني وتصفج المسحاة بيده
تجاوبها جناجل بابلية
أدور اليوم كل اليوم وانشد
وأصوغ گلايد الألحان وأنشد
تعال وياي لمّ رحال ونشد
نطوف بگاعنه الطيبة الزهيّة.
بعد مضي خمس سنوات على اندلاع حرب الثماني سنوات، وبعد شيوع المثل الشعري (حمد شابع فشگ وحمود شابع صيت)، وفي خضّم الموجة الموجّهة تعبويّاً من الفن، أنتجت مؤسسة (بابل) السينمائية العراقية فيلماً استعراضياً غنائياً، لم يخلُ من هدف تعبوي بيّن، يقع في تسعين دقيقة، حمل عنوان (حمد وحمود) أخرجه إبراهيم جلال وقام بدور البطولة فيه إضافة لـ «المطربة» شذى كامل و «الممثل» حسين نعمة، الوجه «الجديد» أحمد نعمة، لحّن أغانيه كلٌّ من رضا علي ومحمد جواد أموري وعباس جميل وسالم حسين. وقد فشل الفيلم فنّياً وهاجمه النقاد حتى أنه لم يترك أثراً يُذكر في تاريخ السينما العراقية، بعد أن توارى فطواه النسيان حتى أن لا أغنية من أغانيه اندرجت في الإرث الفني لملحنيه الأفذاذ.
وتدور قصّة الفيلم عن شقيقين يعيشان في إحدى القرى يقعان في غرام واحدة من الصبايا، يقوم أحدهما في النهاية بالتنازل عن حبّه لأخيه بكل أريحية فينتهي الفيلم نهاية سعيدة، وكان اسما هذين الشابين كما قدمها الفيلم هما (حمد وحمود)، وهما ابنان لأب اسمه «خزعل» في الفيلم الذي تنتهي بانتهائه، هذه الثنائية التي استمرت لقرنين من الزمان؛ منذ عهد مشيخة حمد آل حمود الخزعلي، الذي أغمض عام 1794، عينين ما زالتا تضيئان كشُعلتين، كما تقول كلمات الأغنية، بافتراضنا.