التغيير

آراء 2020/06/01
...

 أمجد ياسين
متى يحدث التغيير؟ سؤال لا يحتاج الى فلسفة للرد عليه، هي الحاجة أو الاستشعار بوجوب التغيير، للانتقال من حال الى أخرى أفضل، بعد أنْ فشلت تجربتنا السابقة أو انتهى مفعولها. لكن للأسف، يبدو أنَّ المشرع والسياسي العراقي لم يستشعرا أنَّ تغييراً حتمياً يجب أنْ يحدث، مع العلم انَّ الشعب قد قال كلمته في أكثر من مناسبة، اتخذ آخرها التظاهر والاحتجاج ورفع المطالب بالتغيير الكامل شكلاً لها، خصوصاً أنَّ السنوات الماضية، بعد العام 2003، وضعت الكثير من القوانين والقرارات على محك التطبيق العملي وثبت فشلها وكانت سبباً للفساد المالي والإداري والمجتمعي.
إنَّ جوهر التغيير هو الارتقاء نحو الأفضل واستبدال ما عطب بجديد صالح يتجاوز كل عيوب سابقه وانتهاج نمط جديد يتناسب ومتطلبات المجتمع وحركته الاقتصادية والسياسية، هذا باختصار جوهر أو معنى التغيير، فلماذا نخشاه كمسؤولين وسلطة؟
على سبيل المثال، استوعبت هولندا الكثير من طالبي اللجوء العراقيين بعد العام 2003 بسبب الاقتتال الطائفي الذي ساعدت العديد من الدول في إشعال فتيله آنذاك، لتجد الأسر العراقيَّة في الهجرة ملاذاً آمناً لها، فكانت حصة هولندا من العراقيين دسمة لما تتمتع به من استرخاء وهدوء مميزين عن غيرها من الدول. بالتأكيد وجدت الجالية العراقية أمامها أجيالاً من جنسيات أخرى قد سبقتها وأسست لها وضعاً اجتماعياً واقتصادياً، فكانت الجاليتان المغاربية والتركية الأكثر حضوراً وانتشاراً على خارطة هولندا وأوروبا عموماً، وقد خبروا القوانين الهولنديَّة واستفادوا منها، بعض هؤلاء ومنهم عراقيون وجدوا في قانون (العيش المشترك) المتمثل بالسماح لرجل وامرأة أنْ يعيشا معا كزوج وزوجة في البيت ذاته من دون أنْ يكونا مسجلين في البلدية أنهما متزوجان رسمياً، استغل عددٌ من العراقيين هذا الأمر وطلبوا الانفصال عن زوجاتهم وأُعطيوا شققاً للعيش وراتباً، إلا أنَّ ضعاف النفوس هؤلاء تلاعبوا بدينهم وأجروا شققهم الجديدة بحثاً عن الفائدة المادية ورجعوا للعيش مع زوجاتهم وأسرهم خلسة، وأصبح الحديث علناً، ولمَ لا، والقانون يمسح بذلك، ليتحول من لاجئ الى صاحب ملك يؤجره متى ما أراد. جاء الحل عن طريق إحدى السيدات وهي تركية الأصل في الدولة الهولندية، بضرورة جلب ورقة طلاق رسمية للمسلمين، مع ضرورة مراقبة السكن الممنوح للمنفصلين إذا ما أجر للغير واتخاذ أقصى العقوبات بشأنهم، باعتبار أنَّ الدين الإسلامي لا يسمح بأنْ تعيش المطلقة مع زوجها خلسة أو لا يتم الطلاق رسمياً وبأوراق رسميَّة. هكذا وببساطة عولجت المشكلة وانتهت الظاهرة وأغلقت الدولة باباً للفساد وثغرة قانونيَّة استنزفتها أموالاً كثيرة.
ترى كم من ثغرة قانونيَّة وإداريَّة يجب أنْ تغلق في مجتمعنا، وأين دور المراقب والمشرع والسياسي من مشكلات المجتمع العراقي وسياساته الداخليَّة والخارجيَّة؟ إنَّ التغيير يعني استحداث نهج جديد قادر على إدارة الأمور بطريقة أفضل، على ألا يكون التغيير باباً للفساد والمحاصصة هو الآخر، أو التغيير من أجل التغيير فقط وتبقى الأمور تطحن في أرحاء اللاعبين الكبار خلف الستار، فالتغيير يجب أنْ يحدد بتوقيتات لتنفيذه لا أنْ نغيرَ من دون منهج أو رؤية.
بات العراقيون يعرفون مشكلاتهم وحلولها بالتفصيل ولكنهم يفتقدون المسؤول الذي يمتلك الجرأة على تطبيق الحلول.