سليل الصباحات السومرية

ثقافة 2020/10/05
...

حسن البصام *
اسم اكتسب لمعانه من نقاء معدنه وأصالته، وصَقـَلَ حروفـَه الإصرارُ والعنادُ، وزادَ من مِران حركتـَه وهو يجوبُ أنهرَ الإبداعِ يَجدفُ بكفوفِ جهدِهِ وصبره ومثابرته.
صباح محسن كاظم، صائدٌ حاذقُ لاقتناصِ طرائقَ الإبداعِ، طرقُهُ متعددة، وآفاقُه حُبلى بالشموس، أيةُ شمسٍ أقفُ عندها لا أتمكن من أن أغطيها بحروفي، العجز في قلمي أمام دهشة الإيغال أو اللحاق بطرائده باذخة الرشاقة، وهوالمتمكن البارع باصطياد غزلان الأفكار، حيث التفت إلى أي أفق ثمة قمرٌ ينهضُ بكامل إشراقته، قمرُ دهشةٍ أو نيزكٍ يرسمُ سفراً ثقافياً أو شمساً ساطعة المعنى والدلالة.
 
علاقاته الناضجة ثقافياً وإنسانياً مع الأدباء والمثقفين والفنانين والكتاب والباحثين هي من سمات المثابرين الذين يرسمون لمدياتهم المعرفية إشراقاتٍ متعددة ودائمة، صباح محسن كاظم اسم تبتهل به شفتي الإبداع، غني بأخلاقه ومعرفته وحضوره وعطائه.
تعددت أحبار قلمه، رسمت دروباً متوازية ومتعاكسة أحياناً، إلا أنها حققت الوئام المعرفي الرصين لأن كل ماكتبه يدون في دفتر المعارف الإنسانية السامية، كتب في النقد فكان بارعاً وشهدت له الصحف الكبرى- والمجلات- والمواقع عندما تناول العديد من الكتب والنصوص بحرفة الناقد وأدواته الرصينة وجسدها في" فنارات" ساطعة الضوء ذوات ساريات شاهقات ترشد الذائقة إليها عن بعد، وكتب في التاريخ والتراث قديما أو حديثاً، كتب في الأزياء والسياحة والآثار والأديان، كتب في الإعلام والأمل الموعود والمسرح والرمز.
 
قالب ديني
 أعتقد أن المثقف الذي لم يسجن فكره في قالب ديني ذي أبعاد ثابتة أكثر عطاءً وأوسع تناولاً وأكثر عمقاً من رجال الدين المتخصصين، حين يكتب عن شخصيات دينية عظيمة، وهذا مارأيته، أن أجمل ماكتبه عن الإمام علي هم الأدباء والمثقفون وخاصة من الديانات الأخرى أو من الذين لايأبهون للانتماءات الدينية، ولا أقصد أن منحى الأستاذ صباح بعيداً عن الدين، لكن أردت المقاربة لأقول إن صباح محسن كاظم قد وُفِقَ في كتابه" الإمام علي عليه السلام نموذج الإنسانية" لأنه تمكن من بسط معرفته الشمولية للإمام ب 227 صفحة اشتملت على خزين معلومات مكثفة من مصادر الثقاة، تناول فيها حياته المدهشة وعلاقته بالرسول والقرآن والحروب والمعارك وعلومه وعدله وعلاقاته وأقواله وغيرها من صفوة البحوث في هذا الرجل الذي تنقصه النبوة ولايعوزه شيء سواها في أي أمر، ولا ننسى كتابات صباح عن مدينة الناصرية هذه الولّادة التي يقف عندها التاريخ كثيراً بل ويغفو في حضنها آمناً، وأحسب أنها ارتقت بأسماء مثقفيها من الأدباء والكتاب والفنانيين أكثر مما ارتقت بأسماء سياسييها وإن كانوا من مؤسسي الأحزاب أو الحركات الأخرى، لأن صراع الأحزاب ينتج العنف والدم والاحتقان واصطفاف أرتال الفقراء وتوالدهم الاستثنائي كل يوم من الجياع والأرامل والمغدور بهم والمشردين والمرضى والمعوزين والجهالة، والصراع الثقافي ينتج مدارس ومناهج وتجدداً في الفكر واللغة والطرائق، لأن الآداب والفنون أثوابُها السلام وأنفاسُها المحبة وأحضانُها لهفة اللقاء ودفئه. شكراً للمدينة التي ولدت لنا صباحاً، ولكم أيها الأحبة.
 
أعماق التراث
صباح محسن كاظم مؤرخ يبحث في أعماق التراث ودهاليز الفكر مايشبع طموحه ويطفئ عطشه بالتفرد في رحلاته الثقافية، التي تعتمد على المعلومة المستندة الى ركائز ثابتة، وناقد متمكن من سبر أغوار النصوص بالتقاطاته النقدية الذكية وزوايا نظره الحادة وجهده الكبير في متابعة ماينشر على مستوى الوطن العربي، وها هي"فناراته" التي دأب على سقيها بالتعب والصبر والتحدي تتوالد متناولة العديد من الثقافات المختلفة، وهذا سر تجدد روح الإبداع لدى صباح محسن لايقف عند عتبة، إنما يجهد نفسه لتزيين كل عتبات الثقافة والفن بلمساته البحثية والنقدية.
كانت"فناراته" ينصبها على سواري الثقافة العراقية لإضاءة المشهد العراقي، إلا أن إبداعه الملتزم والجاد عبر إشراقاته هذه التي منحها نطاقاً أوسع، امتدت أبعد من هذا المدى، امتدت إلى المبدعين العرب، وهنا تأسست "لفنارات صباح محسن" مديات فاعلة بروح المسؤولية الثقافية والأخلاقية التي تبناها وتعهد بديمومتها، بعيداً عن المحاكمات الشخصية والتأثيرات الضيقة، ليؤسس لنفسه مساراً مائزاً متفرداً، عرف به دون سواه.