غيوم لندن..بوادر لشتاء طويل محمّل بالأمطار والقلق

ريبورتاج 2020/10/11
...

  لندن: نهى الصراف 
مرّت أسابيع على عودة التلاميذ إلى مدارسهم في لندن، متمثلة في حضور متذبذب بسبب الإجراءات الدقيقة التي تتبعها إدارات المدارس، لتجنب انتقال عدوى الإصابة بفيروس كورونا بين التلاميذ، خشية من أن ينقلوه إلى أسرهم وبقية الأشخاص في بيئتهم الاجتماعية القريبة.  ظهرت أيضاً، على نسق مواز، بوادر فصل الشتاء الطويل في العاصمة البريطانية، وبدأت الغيوم تدخر حملها لشهور معبأة بالأمطار، والكثير من القلق، مع فرض الحكومة لقائمة من القيود، التي قد تستمر طوال شهور الشتاء المقبلة.
 
موسم الأعياد
في الماضي القريب جداً، كان الشتاء فصلاً مميزاً عادة من وجهة نظر الكثير من المهاجرين والمقيمين، خاصة من قدم منهم من مناطق حارة؛ إذ يرتبط عندهم بحميمية البرد ودفء نار الموقد، جلسات شاي العصر مع الأسرة في أيام الآحاد، وسهرات عطل نهاية الأسبوع مع الأصدقاء والمعارف، الأسواق المفعمة بالبضائع والألوان، احتفالاً بقدوم موسم الأعياد وبهجة الصغار وهم يحلمون بقضاء أطول عطلة منتصفية، يمكنهم فيها الاستمتاع بالنوم والكسل في ساعات صباح شتوية عذبة، والتحرر من أحمال الدراسة، والكثير الكثير من الشوكولاتة والمشروبات الساخنة اللذيذة.
اما الآن فقد تغيرت هذه الطقوس الشتوية، بعد أن غزت مخاوف الإصابة بفيروس كورونا قلوب الناس، مع ما رافقها من إلغاء لأي من مظاهر الاحتفال بالأعياد، هناك ستة شهور ستبدو إلى حد ما عصيبة بمواجهة البريطانيين مع تنامي الاحتمالات من عودة الإصابات بالفيروس إلى مستوياتها العالية، كما كان الأمر منتصف آذار الماضي، حيث بلغت في أحد أيام هذا الأسبوع مثلاً أكثر من 4 آلاف إصابة يومياً ثم قفزت في اليومين التاليين إلى 6 آلاف، على الرغم من الإجراءات الاحترازية التي تتبعها المؤسسات المعنية لمنع تكرار هذا سيناريو الموجة الأولى من الوباء، أما إدارات المدارس فبدت أكثر حزماً في قراراتها لمحاصرة الإصابات المحتملة بين التلاميذ، على الرغم من أن غلق المدارس والجامعات سيكون الخيار الأخير للحكومة في محاولة منها لحصر انتشار العدوى.
ترك أحمد المدرسة الأسبوع الماضي، بعد خضوعه لعزل منزلي إجباري بسبب إصابة أحد زملائه في المدرسة بالعدوى، ومثله فعل مجموع تلاميذ صفه، التزاماً بتعليمات المدرسة مع الحرص على تعقيم وتعفير القاعات والمستلزمات الدراسية، لحين عودة التلاميذ إلى صفوفهم، بينما تعيش والدته قلقاً مستمراً بسبب هذا الظرف الطارئ، حيث تغيرت حياتهم في المنزل منذ أسبوع تضاعفت فيه مسؤولياتها، إضافة إلى التنظيف المستمر والتعقيم ومتابعة أي أعراض محتملة يمكن أن تطرأ على أفراد أسرتها، في انتظار إجراء فحص بعد انتهاء فترة العزل.
 
خسارة الجولة
تعيش أسرة أحمد وهي من أصول عراقية في أحد الأحياء السكنية شمال غرب لندن، ويبعد الشارع التجاري الرئيس عن منزلهم نحو نصف الساعة، تستغلها الأم في ممارسة رياضة المشي، حيث تقطع شارع المتنزه الرئيس في المنطقة، حتى نهايته لتصل إلى المتاجر الشرقية، التي تفضلها لشراء بعض الأغراض البسيطة، التي يسهل حملها في طريق العودة إلى المنزل، وقد استغنت عن استخدام وسائل النقل العامة في تنقلاتها، لتجنب الاحتكاك المباشر بمرتاديها، كما أنها لا تفضل استخدام سيارتها الخاصة، إلا إذا كانت مضطرة لذلك لتوفير استهلاك الوقود بسبب العزل المنزلي ، يتعذر على أم أحمد هذه الأيام القيام بهذه الجولة الصباحية، لذلك تستعين بصديقتها التي تسكن في حي قريب لشراء بعض الضروريات، حيث تقوم السيدة متطوعة بمهمة التسوق وتضع الأكياس في مدخل منزل أم أحمد، ثم تلقي التحية من بعد مع احترام مسافة التباعد الاجتماعي، التي اعتاد الناس على الالتزام بها تلقائياً بعد مرور هذه الشهور الطويلة من عمر الوباء.
 
انعدام الأمل
إلى ذلك، تغيرت أمزجة المتخصصين المتحفظة وبدت تصريحاتهم في الصحف ووسائل الإعلام خالية من التفاؤل، الذي صبغ تكهناتهم أثناء شهور الصيف الماضية، فمنسوب الإصابات الجديدة بدا في الآونة الأخيرة، وكأنه يرتفع تصاعدياً.
أما في الصحف البريطانية فتمثلت بعض وجهات النظر القاتمة في تصريح لأستاذ في الصحة العامة موضحاً أنه:"مع بدء المزيد من عمليات الإغلاق المحلية، تقول الحقيقة المرّة أنه ليس هناك أمل في العودة للحياة الطبيعية، إذا كنت تسعى جاهداً لإيجاد كيفية للتأقلم، فاعلم أن الشيء الوحيد المؤكد بشأن العام المقبل هو عدم اليقين".
 
موجة ثانية
يشدد ديفي سريدهار، أستاذ الصحة العامة في جامعة إدنبرة باسكتلندا، على تأثير فصل الشتاء الواضح في سرعة تصاعد الإصابات، حيث يشير إلى أنه يفضل أن يتجنب الناس البيئة الداخلية سيئة التهوية والمزدحمة قدر المستطاع، في الوقت الذي يتهاون فيه بعضهم بارتداء الكمامة. ويرى أن المتاجر والمطاعم والمقاهي ووسائل النقل العام، تبدو آمنة نسبيًا مع استخدام أغطية الوجه، ولكن مع مستهل الموجة الثانية للوباء، يبدو أن الوقت قد حان لتجنب السفر والانتقال غير الضروريين، فضلاً عن زيارة المنتزهات والتجوال في المتاجر القريبة من محل السكن.  على الرغم من ذلك، ينصح سريدها الناس على محاولة إيجاد سبل للاستمتاع بالحياة واستعادة أكبر قدر ممكن من النشاطات الروتينية، مع الحرص على التصرف بمسؤولية حيال الذات والآخرين.
 
انهيار اقتصادي
ومثل ما يحدث في أغلب دول العالم، فإن الأزمة الاقتصادية التي تسبب بها انتشار فيروس كورونا وإجراءات الحظر التي تبنتها هذه الدول للحد من انتشار العدوى، كانت قد ألقت بظلالها الثقيلة على الأوضاع المادية للأسر، خاصة من ذوي الدخل المحدود أو المنخفض؛ بعضهم فقد وظيفته أو تم تقليص ساعات عمله، بعضهم تعثرت مشاريعهم الخاصة وبعضهم منعه المرض والتقدم في السن من الاستمرار في العمل أو الخروج والاختلاط مع مجتمعات العمل خوفاً من الإصابة بالعدوى.
حسين ع. سائق سيارة أجرة يسكن في ضواحي لندن، تأثرت حياته المعاشية بصورة كبيرة، بسبب انتشار الوباء، خاصة مع الإعلان عن تطبيق الإجراءات الجديدة، وفرض السلطات في إنجلترا ارتداء الكمامات على نطاق أوسع من السابق، وتحديداً داخل الأماكن المغلقة، مثل مراكز التسوق والمتاجر وسيارات الأجرة، مشددة في ذلك على رفع غرامة انتهاك القواعد للمرة الأولى لتصل إلى 200 جنيه استرليني، إضافة إلى إلزامها الحانات والمطاعم ودور الضيافة، بإغلاق أبوابها بحلول العاشرة ليلاً.
كل هذا سيأتي تأثيره السلبي في أصحاب الأعمال الكبيرة والمتواضعة على حد سواء، الذي حاولوا خلال موسم الصيف الفائت إعادة الأمور إلى سياقها الطبيعي وتعويض الخسائر المادية التي سببتها الموجة الأولى من الفيروس، لكن من دون جدوى.
ولأن حسين يعتمد كثيراً على الدخل المتأتي عادة في عطلة نهاية الأسبوع، بفعل ارتياد الناس للمطاعم وأماكن الترفيه في أيام العطل بصورة مضاعفة تقريباً، مقارنة بأيام الأسبوع العادية، فإن مثل هذه الظروف المستجدة ستقلل من عدد ساعات عمله وتحد من عدد الزبائن الذين يطلبون خدمة سيارة الأجرة خاصة في الأمسيات.
 
استغناء
مع ذلك، يحاول بعض الناس معالجة النقص الكبير في دخولهم ذلك بتقليص المصروفات اليومية، منها الطعام والشراب والسلع الاستهلاكية؛ حيث تعتمد الكثير من الأسر على تدبير ربات البيوت في تحضير وجبات طعام اقتصادية والاستغناء قدر الإمكان عن الأطعمة الجاهزة أو الطلب من مطاعم الوجبات السريعة، التي تعد أسعارها مرتفعة مقارنة بأسعار الوجبات المنزلية، إضافة إلى ذلك فإن متاجر الملابس والكماليات، خاصة تلك التي تحمل علامات تجارية عالمية خسرت في الآونة الأخيرة الكثير من زبائنها، إذ تحرص السيدات على تقليص مشترياتهن في هذا المجال عموماً، والاكتفاء بما يمتلكن في خزانات ملابسهن من الأعوام الماضية، خاصة أن عددا لا يستهان به من النساء العاملات لم يعدن بحاجة إلى تجديد محتويات خزانة الملابس، مع التزامهن العمل من المنزل بحسب نصائح العلماء المتخصصين والحكومة على حد سواء، كما أن تبادل الزيارات بين الأسر والأصدقاء باتت محدوداً جداً، بعد أن كان محظوراً لوقت طويل وحتى مشاوير التسوق صارت نادرة، إلا إذا دعت الحاجة لذلك.