مأزق المعنى بينَ التحوّل والانشطار

ثقافة 2020/11/08
...

   رضا المحمداوي
 
لا تخرجُ مسرحية (فلك أسود) لمؤلفها: علي عبد النبي الزيدي، ومخرجها: رياض شهيد الباهلي، عن النمط المسرحي الجديد الذي فرضت الحداثة الفنية سطوتها عليه، حيث الاستغناء عن البناء المسرحي التقليدي بفصولهِ و(مناظرهِ) والاستعاضة عنه بأسلوب اللوحات والمشاهد المسرحية القصيرة المتتابعة بما تنطوي عليه هذه اللوحات من قوة أو ضعف، أو ترابط  أو تباعد، أو تماسك أو مساهمة في البناء الدرامي للمسرحيات وخاصة القصيرة منها أو ذات الفصل الواحد. .
وفي الاتجاه الفكري العام يمكن إدراج هذه المسرحية ضمن الأعمال الدرامية التي تتصدى للفكر الإرهابي المتطرف، إذ تطرح فكرة سبي العصابات الإرهابية للنساء وتعرضهن للاغتصاب، ومن ثم عرضهن في سوق النخاسة من أجل بيعن وشرائهن، وإذا كان الفكر الإرهابي المتطرف قد عَمَلَ وضمن معتقداته الدينية المُشوَّهة على سبي النساء من الديانات الأخرى من غير الدين الاسلامي، وما زالت الوقائع والأحداث التي جرت للنساء الايزيديات في الموصل حاضرة في الذاكرة، فإن المؤلف قد اختار (بتول) (الممثلة: صفا نجم) المرأة المسلمة المؤمنة بدلالة سجادة الصلاة والآيات القرآنية الكريمة، كي يعرَّضها لخطر السبي الإرهابي، ونتيجة لخوفها من عار الاغتصاب وعمليات البيع والشراء في الأسواق الإرهابية فإنها تدعو الله – سبحانه وتعالى – أن يخلّصها من هذا الخطر الداهم، فيستجيب الله لدعائها ويحوَّلها إلى رجل ويبقيها في بيتها مع زوجها (الممثل: ضياء الدين سامي)، ومن هنا تبدأ المفارقة الدرامية المؤلمة التي تثير العديد من المواقف الفكاهية الطريفة والغريبة في ظل علاقة معقدة وملتبسة وبأسلوب (الكوميديا السوداء) بين الزوج الذي وَجَدَ زوجتَهُ وقد تحوَّلتْ- بقدرة قادر- الى (عبود الخشن) أو (عبود محراث التنور) (الممثل: حسن هادي) وبين الزوجة (بتول) وقد تحوَّلت إلى رجل لكنها تحمل في دواخلها وذاكرتها عاطفة المرأة المُحبّة لزوجها حتى أنهما ما زالا ينامان معاً في سرير الزوجية القديم.
ومن هنا فقد غادر النص والعرض المسرحي معاً منطقة العمل الفني المعتاد وارتدى لبوس التمرّد وَمَالَ إلى الفنتازيا والغرائبية إلى الحد الذي يمكن القول معه أنَّهُ ينتمي إلى مسرح (اللا معقول) فتحوّل الزوجة (بتول) إلى رجل تحت ضغط الخوف من السبي الإرهابي، ومن ثم عيشها مع زوجها، هذا التحوّل في الشخصية قد شطرها إلى نصفين فالنصف الأوّل ما زال يحتفظ  بكوامنها وعلاقتها بزوجها، والنصف الثاني هو الرجل الجديد (عبود) الذي أوجد حاجزأ أو مانعاً  ذكورياً من التواصل الاجتماعي مع الزوج السابق! وكلما حاول الزوج من جانبه إعادة زوجته السابقة (الرجل عبود) ازداد الوضع صعوبةً وحراجةً.
وبين فكرة (التحوّل) لشخصية (بتول) و(الانشطار) الدرامي الذي أوجدَهُ المؤلف لها مع وجود الزوج تضع المسرحية مأزقها الوجودي لكلا الشخصيتين (الزوج والزوجة) ولا حلَّ لهذه المعضلة الاجتماعية سوى اقتراح الزوجة – عبود على زوجها أن يدعو الله أن يحوَّلهُ إلى امرأة، وهكذا تنتهي المسرحية بدعاء غيبي وعابث للزوجين المتناقضين، وبذلك تبدو المسرحية قد حَلّتْ (عقدتها) الدرامية وَوَجدتْ (الحل) النهائي. 
هل التعرَّض لمخاطر الفكر الإرهابي يمسخ الإنسان السويّ ويحوَّلهُ إلى كائن هجين لا يعرفُ هويتَهُ وكينونتَهُ وأصلَهُ الاجتماعي؟
إذن كان على المسرحية أن تؤكد هذه الفكرة مثلاً، وتعمل على تجسيد واستحضار هذا المعنى الفكري العميق داخل بنية النص والعرض المسرحي، وبدون ذلك تبقى المسرحية مجرد فنتازيا وغرائبية مشاهد ولوحات تعتمد المفارقة، وهنا لا بُدَّ من التوكيد أن المشاكسة وحدها لا تكفي إن لمْ تكنْ مُحمَّلةً بالأسئلة الحادة والأجوبة المقنعة.
كان يمكن لإخراج: رياض الباهلي أن يستحضر غرائبية النص والمضمون على نحو أكثر احتداماً وأن يأخذ فنتازيا النص إلى منظومة إخراج أكثر مشاكسة، وإذا كان المخرج قد وضع السينوغرافيا لعرضه المسرحي بنفسه ومال بها إلى التقشف ومحدودية قطع الديكور الثابتة حيث إطار الباب على  يمين المسرح وفي وسطه سرير النوم وعلى اليسار منضدة أو طاولة مكياج المرأة، فكان الأحرى به أن يحرَّك هذه الموجودات ويتفنن في استخدامه لها على نحو أكثر قوة وحيوية وحركة.
 لقد هيمن نص المؤلف على خشبة المخرج وفرضَ قيودَهُ على منظومة العرض المسرحي وجمالياته، وسادت الحوارية رغم ما فيها من تكرار  حتى أصبح هناك فائض من هذه الحوارات.
ومع معزوفة أغنية (أنا من أكولن آه واتذكر أيامي) وصور (الداتا شو) البغدادية القديمة كانت بداية مسرحية باهتة لا تتناسب مع مضمون النص والفنتازيا التي ينطوي عليها، ولم يُضفْ مشهد الرقص التعبيري لمجموعة الراقصين (الكيروغراف) شيئاً، وبدا لنا وكأنه فاصل بين المشاهد المسرحية وأوقف تأزم الموقف الدرامي بين الشخصيتين، مثلما كان حضور مشهد تظاهرات ساحة التحرير مُقحماً على المسرحية وبعيداً عن أجوائها.
في التمثيل ومن دون أن نغمط حق الفنانة صفا نجم وحضورها المؤثر، فإن الثقل الأساسي كان قد وقع على عاتق الثنائي الرائع حسن هادي وضياء الدين سامي اللذين ظهرا متدفقين حيوية ونشاطا وممتلئين بالمشاعر والعواطف المتناقضة والمرتبكة رغم علاقتهما المُلتبسة.