التركيب اللغوي في شعر هشام عبد الكريم

ثقافة 2020/11/09
...

 كمال عبد الرحمن
عند دراسة المظاهر التركيبية في قصيدة الشاعر هشام عبد الكريم، تبدو جلية سمة التكرار التي تنبث من معظم زوايا النص، على مستوى المفردات أو العلاقات اللغوية أو التصويرية، ما يضفي على النص أيضا إشعاعات دلالية لأنّ ((دراسة الخطاب من وجهة تركيبية تفضي حتما الى اكتناه دلالته، لأن التركيب متى افتقد الدلالة افتقد قيمته))، إلا أن الدلالة لاتبقى ثابتة فـ (أي تغير في النظام التركيبي للجملة يترتب عليه بالضرورة تغيّر الدلالة، وانتقالها من مستوى الى مستوى آخر)). 
لذلك فتناول المستوى التركيبي يقتضي التعرّض لدراسة ثوابت اللغة، أي نظامها الاساسي ((فليس النظام سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب بعض)) ولهذا فـــ ((ان اللغة الشعرية، الجديدة بعلائقها التركيبية والتصويرية، هي من اختراع 
الشاعر)). يبني هشام عبد الكريم قصيدته على ركام الأسئلة التي اغتالت الجمال: (أيها العام الجديد/ قد شممتُ/ قبيل أن حليت/ موتاً/ من بعيد/ وخراباً وعذاباً وسقام / لا تقل لي: سوف تنهض يا هشام/ أنت والحدباء/ من تحت 
الركام). 
إنّ الشاعر هشام يتحكّم بلغته نظرا لوجود رابطة خفية بينه وبين هذه اللغة التي يستعملها في نظم الشعر، وتلك رابطة يختص بها الشعراء، لأننا لانجد مثلا رابطة مثيلة لها بين الاديب الناثر ولغته، وسر هذا الاختصاص لدى شاعرنا أنه أكثر انقيادا واستسلاما الى اللاوعي اللغوي بسبب ما يملك من احساس مرهف مشحون وروح محتشد زاخم، حتى يكاد الشعر بين يديه يصبح سلسلة من الرحلات في الاعماق الباطنة للغة يقوم الشاعر بإحداها في كل قصيدة يبدعها، ومنها هذه القصيدة حتى تصير القصيدة كيانا له تاريخ وهيكل وأربعة 
أبعاد: (وحين/ تحس الرصاصة/ برد الشتاء/ تدقّ/ بُويباً/ بُويباً علينا/ لتختار/ من أهلنا ما 
تشاء).
يُعرِّي الشاعر هشام عبد الكريم العالم أمام العالم الذي بقي يتفرَّج على لغة الجرح الموصلي المطلسمة بالدم، يدير وجهه نحو سواد وجهه و(الموصل) تمارس انواعا من الذبح والسلخ والاغتيال، تموت بلا موت، وتعيش تحت وابل زمن يُحتضر فيه الزمان: (الرصاصُ المبالي بنا/ جاء متخذاً/ من صدور أحبتنا/ 
مسكنا).
 
 
2
(للرصاص
طقوس 
    طقوس
فهو يغتالنا فجأة
ثم يطفئ فينا النفوس)
ويمكن ملاحظة كيفية صياغة الجمل الشعرية في المستوى التركيبي على هذا النحو:
(كلّما قلت لنفسي سأكون: كان غيري لأراني في سكون 
حمل التاريخ نعشي: فانتهيت صخرة جرداء
لا تُمنيني ولا ترمِ حبالاً من حلم: فأنا المسكين ما زلت المحاصر
إنهم قتلوا أميم أخي: فعَلَامَ اليوم ترسم لي خرائط)
إن اللغة لاتحمل أي صفة قبل تناولها في العمل الادبي، ولغة الشعر  ليست شاعرية إلا بطريقة التناول والاستخدام الفني.. حينئذ تصبح لغة ايحائية، نفضت غبار سباتها الزمني، ونزعت قيودها المعجمية، وتجاوزت مهمة الايصال، وانطلقت موقّعة منغومة تحمل كل مقومات الايحاء والتفاعل والإثارة، ولغة الشعر قوتها في ذاتها، الشكل فيها هو المضمون، والمضمون فيها هو الشكل، فهي تركيب متوازن متناسق متداخل، وهي لغة جوهرها في تركيبها، ولايمكن إدراك حقيقتها إلا من خلال تحليل هذا التركيب، يؤرخ هشام لجرح موصلي يزحف على بطنه ودمعة تقف على رؤوس أصابعها: (والموت عرّش/ في الشوارع/ والدماء/ تمدّ كفيها/ لترسم ما تبقّى/ من فناء).
يشتغل عبد الكريم على القصيدة ذات المبنى الدرامي، وهو ليس بحاجة لاستدعاء همّ بشري أو إشكال إنساني أو تحديات مصيرية، فالبلد كله مسرح للأزمات والاخفاقات السياسية والحروب التي لاتنتهي إلّا لتبدأ من جديد كما قلنا، إن الارض والمناخ الشعري اللذين يشتغل عليهما الشاعر، هما مصدران توليديان لايكفّان عن تقديم القضايا الانسانية وبخاصة تلك الجدليات بين (الأنا) و(الآخر) التي تسمو بالانسان الى أعلى درجات الرقي الفكري والمشاعر الوجدانية الجياشة بالألفة والألاف كما يقول ابن حزم: (رحلت/ أعوام أزمنتي تباعا/ وحياتي/ قُصّ جنحاها/ فعاشت التياعا).
يستطيع القارئ أو الدارس ملاحظة مهارات الشاعر، وحيله الأسلوبية في هندسة القصيدة وبنائها على التوجه الدرامي، ان القصيدة بصورة عامة لديه، هي تجربة فنية صعبة، مركبة، متعددة الأصوات والمناخات، والتي أغلبها ذات منحى درامي، يمتزج فيه الخاص بالعام، أي الذاتي والموضوعي، فهموم الشاعر هي هموم إنسانية كبيرة لاتقف عند  مدينة (الموصل) وما عانته من ويلات داعش، ولاتقف عند اي بلد أو مدينة، لأنها تنحو باتجاه الخارج من الزمان والمكان (الحقيقيين أو المجازيين) وتنفلت عن الحدود الضيقة لمحور الذات، لتكون تجربته الانسانية الكبرى هي (الحب والانسان) قبل (الحرب والانسان).!