كتابات سردية

ثقافة 2020/11/10
...

  يوسف عبود جويعد 

 
 
تنوعت أساليب وطرق اختيار الأحداث في الفضاء السردي، من سارد إلى آخر، وظهرت كتابات سردية روائية كثيرة تتصدى لجانب من الحياة من دون غيره، ومن بين هذا التنوع الكتابة عن المدن التي شهدت ولادة الروائي ومرتع طفولته وعنفوان شبابه، ليدخل إلى عمق تاريخ تلك المدينة ويستحضر أحداثاً مهمة برزت ولا يمكن إغفالها،  ولنا في ذلك أمثلة رواية (خانة الشواذي) للروائي عبد الخالق الركابي، وكذلك رواية (مقتل بائع الكتب) للروائي سعد محمد رحيم، وهناك العديد من تلك النصوص السردية، وتعد رواية (لقاء الجمعة) للروائي حامد فاضل، واحدة من تلك النصوص السردية التي التصقت بأرض المدينة التي عاش فيها الروائي، لينقل لنا ومن خلال المبنى السردي، أحداثاً دارت رحاها في منتصف القرن الماضي بين أحضان مدينة السماوة، حيث سنشهد بروز المكان بشكل واضح وكذلك رموز وشخصيات تلك المدينة، وسنتابع حياة الشخصية الرئيسة في هذا النص، وهو سهيل نجم السماوي، وتفاصيل حياته النضالية، ولكي يرتبط الماضي بالحاضر، ويكون هذا النص مثل جسر يربط بعضهما بعضاً، فإنه استطاع نقلها من قالبها التقليدي الكلاسيكي الذي طالما شهدناه ونحن نتابع الكتابات السردية المتعلقة بمادة تاريخية، الى ما تتطلبه المرحلة الراهنة وما شهدته الرواية من تتطور، حيث نلحظ من خلال العتبة النصية الأولى تفاصيل تتعلق بزج الروائي داخل النص، ليكون واحداً من شخوص الرواية، وهي حالة تتعلق بفن صناعة الرواية الحديثة، مثل رواية (لماذا تكرهين ريماك) للروائي محمد علوان جبر وكذلك رواية (تابو) للروائي حميد المختار، ورواية (فسحة للجنون) للروائي سعد محمد رحيم وغيرها الكثير، حيث سنتابع تفاصيل عن جمعه لمعلومات تتعلق بشخوص الرواية والأحداث، وحفظها في جهاز اللاب توب، الذي يحمله على كتفه أينما حل وحيثما رحل، ولكنه يتفاجأ بفقدانه عندما يصل إلى مكان عمله، ولا يعرف أين تركه ويبحث عنه في الأماكن التي مر فيها ولم يجده، ويكتب عنه على صفحته الشخصية الفيس بوك ويناقش مع أصدقائه وقائع ضياعه 
لهذا اللاب توب، الذي خزنت فيه تفاصيل كثيرة ومهمة من أجل الشروع بتدوين النص السردي الروائي ومن الصعب إعادتها أو تذكرها، لأنها لقاءات تمت في أيام الجمع لبطل هذا النص سهيل نجم السماوي، ويتفاجأ وعلى واجهة المحادثة أن شخصاً أطلق على نفسه لقب جابر العثرات يدخل المحادثة ويخبره بوجود اللاب توب لديه، وكذلك يخبره بإعادة صياغة الرواية التي خزنت فيها لأنها تهمه ، وهكذا وبعد أيام يرسل جابر العثرات الرواية بكامل تفاصيلها إلى الروائي، لننتقل إلى فضاء آخر من السرد وهو الجانب الميتا سردي منها، لنتابع تفاصيل الأحداث في فصول حملت عناوين لقاء الجمعة، الجمعة الأولى البرقية، الجمعة الثانية الزهرة، الجمعة الثالثة المظاهرة، الجمعة الرابعة الخناق، الجمعة الخامسة الدخول، الجمعة السادسة النفق، الجمعة السابعة البيان، لنصل إلى عتبة نصية أخرى في نهاية 
النص(ص 24) 
وهكذا نكتشف أن هذا النص يحمل أجواءً نضالية حدثت في خمسينيات القرن الماضي، لشخصية تنتمي إلى اليسار، ونتابع تفاصيل حياته منذ ولادته وحتى دخوله مرحلة الدراسة المتوسطة التي من خلالها انطلقت الشرارة الأولى لحياته النضالية، حيث ينضم إلى جماعة اليسار، ويحضر الاجتماعات مع مجموعة من الطلبة، ثم تنطلق مظاهرة كبيرة للطلبة، لتبدأ مرحلة الاعتقالات ويعتقل، ثم يرسل إلى سجن بعقوبة مع بقية الطلبة اليساريين، وهناك تحدث محاولة هروب جماعي من خلال حفر نفق بتفاصيل شيقة ومثيرة:(ص 166).
وهكذا يتم حفر النفق، وتتم عملية الهروب إلا أن تلك المحاولة يكتب لها الفشل، ويتم القبض عليهم وإعادتهم إلى السجن، الأمر الذي حدا بآمر السجن أن يستحصل الموافقة على نقلهم إلى نقرة السلمان، وبرحلة طويلة يصلون إلى سجن نقرة السلمان، الذي سنتابع من خلاله حياة السجناء وكذلك موقعه وخارطة بنائه، وكيف أنه اختير في هذا المكان الصحراوي، لكي تكون مهمة الهرب منه مستحيلة، لأن عملية الهروب ستكون في صحراء قاحلة قاسية، وسيموت حتماً إما من الذئاب التي سوف تفترسه، أو من العطش، تخلل النص حكاية حب بين ابنة البادية سارة وسهيل نجم السماوي، وكذلك استعراض للأحداث البارزة في هذه الحقبة من الزمن، مثل ثورة العشرين، وقطار الموت وغيرها من الأحداث السياسية.