من أمثالنا الشعبيَّة

ثقافة 2020/11/11
...

  شكر حاجم الصالحي

من بعض ما قيل في تعريف المثل الشعبي: أنه فلسفة الشعب وحكمته ولمن يريد الاستزادة فليقرأ "فلسفة المثل الشعبي" الصادر عن المكتبة الثقافية في مصر لمؤلفه محمد إبراهيم أبو سنّة, فضلاً عن العشرات من الكتب التي تبحث في هذا الشأن, والمثل الشعبي كلامٌ مختزلٌ يوجز أحوال الناس وعلاقاتهم في زمنٍ ما, ولذا فإنَّ المثل هو نتاج العقل الجمعي وسلاحه في قهر الصعاب ومقاومتها, لكن من الأمثال الشعبية المتداولة ما يشيع في النفوس الخذلان والمهادنة والانكسار والرضوخ والاستسلام للقوى المهيمنة.

وسأحاول هنا التصدي لمثل هذه الأمثال بهدف رفع وتائر الوعي الشعبي لمتبنيات هذه الأفكار التي لم تعد تنسجم مع حرية الإنسان وتطلعاته المشروعة, فقد شاع وانتشر في التداول اليومي هذا المثل الذي يلخص الهزيمة ويكرس الذل والهوان والذي يقول: 
"الإيد الما تكدر اتلاويها خاويها" وفي صياغة أخرى أكثر إذلالاً يرد هكذا "الايد الما تكدر اتشابجها حبّها"، ومعلوم أنَّ الأدب الشعبي شفاهي النشأة والمصدر, ويتداوله الناس كلُّ في لهجته المحليَّة, لكنَّ المعاني دائماً ما تكون متطابقة.
ولهذا المثل حكاية لي معه, فوالدي السيد (1909ــــ 1981م) الذي يتصل نسبه بحليف القرآن زيد الشهيد بن علي بن الحسين بن علي (ع), وكما أكدته الأيام أنه ورث عن جدنا زيد حسه الثوري وروحه المتصدية للظلم والهوان, ومن حسن حظي أنَّ السيد رحمه الله أورثني بعض صفاته النبيلة, وسأفرد له في قابل الأيام مقالة تحت مسمى "شخصيات شعبيَّة"، على أية حال كان السيد لا يرتضي تداول هذا المثل الخانع في أحاديثنا المكرورة ويحذرنا نحن أولاده من تبنّي هكذا أمثال تبث روح الإحباط وتعلّي من شأن الطغاة، ولذا فهو ما كان ممن يحترم مثل هذه الصياغات لا بل كان يسمعنا إياها بصيغة مغايرة
 مؤداها:
"الإيد الما تكدر اتلاويها دير وجهك عنها"
وعندما أستفسرُ منه عن سبب صياغته هذا يرد (رحمه الله) بجواب ينم عن وعي ووسطيَّة: لِمَ الذلة مرتين مرة لا تستطيع التصدي للظلم وفوق هذا تستكين له وتقبّل يد الظالم المتجبر فما عليك سوى الابتعاد عن مواطن السوء والمهانة حتى تستطيع حفظ ماء الوجه قدر
المستطاع. 
وأدركت بعد سنوات كم كان السيد حاجم على صواب, إذ تمادى الظالمون بعد أنْ أستكانت الرعية وتنازلت عن حقوقها في العيش الكريم, ولنا في واقعنا الراهن ما يؤكد ذلك الفهم وتلك الروح الوثابة, ورغم أنَّ الظروف تغيرت والحياة تطورت لكننا نلاحظ تزايد أعداد المطبلين المزمرين للباطل في كل مكان, وهي من طبائع النفوس المريضة
 المتخلفة.
هلْ أدلكم على أمثلة تؤكد هذا المآل في يومنا الراهن , ولا أريد أنْ أسردَ لكم بعض وقائع استقبالنا للفاسدين في التجمعات بعد أنْ كنا نطلق ألسنتنا سباباً ولعنات لهم قبل دقائق من
 حضورهم.
شكراً لوالدي الذي غرس في نفوس أولاده قيم التحدي والبسالة ورفض كل ما يشين كرامة الإنسان.. وما علينا في الختام إلا التصدي لهذه الأمثال الفاسدة, وبدل أنْ نقبّل أيديهم الملوثة بدمائنا وثرواتنا علينا مجابهتهم بما يعيد الحقوق لأصحابها وتلك من مآثر الإنسان في كل حين.. وشكراً لا حدود له لأستاذنا القدير باسم عبد الحميد حمودي الذي أعادني بفيض كرمه الى الحقل الذي غادرته بعد أنْ تصحرت أرضه وجفّت سواقيه ونمت الأدغال
 فيه.