تقاطع الشخوص والأحداث في (مصابيح)

ثقافة 2020/11/15
...

 علوان السلمان
 الخطاب السردي بمظاهره الأسلوبية والبنائية والدلالية.. مغامرة لاكتشاف كوامن الواقع عبر التأمل والتساؤل الذي يخلقه المنتج (القاص) ويوزعه بين طيات جسده النصي المقترن بنموه الزمكاني عبر الاحداث والشخوص باقتناص اللحظة ونقلها من واقعيتها الى المخيلة ونسج عوالمها المتجاوزة للسياقات المألوفة باعتماد مسارات جمالية ودلالات اجتماعية مع توظيف لغة موحية بعيدة عن الضبابية وهي تسير في خطين فنيين متداخلين: اولهما الصياغة.. وثانيهما التعبير الاسلوبي.. لانتاج نص يسهم في تعدد الرؤى المتفاعلة ومعطيات الحداثة التي تزحزحه عن ثوابته التقليدية الحكائية..
   وباستدعاء المجموعة القصصية (مصابيح) التي انتجتها ذهنية القاصة ازهار علي.. واسهم الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق في نشرها وانتشارها /2020.. كونها نصوصا تسبح في عالمين: حسي ووجداني.. تكمن فيها خاصية التشكيل الادهاشي المتخيل.. مع نزعة سردية ومقصدية تحمل قدرا من الرؤية التي تعبر عن وهج التجربة الانسانية التي تكشف عن اشتباكها والواقع.. لتقيم علاقة تفاعلية معه ببناء جملي يعتمد التكثيف الصوري القائم على عالمين مكانيين: اولهما الذاكرة الذاتية.. وثانيهما الواقع الموضوعي.. ومن خلال هذه الثنائية تتشكل حركة التجاذب والتنافر... مع توظيف عنصر الاستقصاء وتراكم الصفات التي اسهمت في تصعيد الحدث والكشف عن توتر نفسي للذات المنتجة..
(لكل محطة من محطات المصابيح في حياتي، حكايتان: حكايتي التي تشكلت في داخلي ككتلة خوف تكورت امام كمية من الضوء تستطيع ان تمحو كل الملامح من حولها وتحولها الى ابيض وهمي، تتداخل فيه الاصوات بين المستفهمة والآمرة والناهية والمتحولة الى لذعة سوط او صفعة اثقل من لحظة الانهيار، والحكاية الاخرى التي كانت في كل مرة تفرض عليَّ أن أحدد ملامحي بقوة أمام ضوء المصابيح، لكي استطيع التماسك من جديد....) ص37..
  فالنص تتقاطع فيه الشخوص والاحداث في مكان وزمان ملتبسين بالوضع الأمني الذي هيمن على الحياة مع تداخل السياسي والعاطفي.. فتكشف المنتجة (القاصة) عن رؤيتها وتفكيرها عبر تفاصيل حياتية واقعية ووجدانية ترسم ملامح العلاقة بالمكان.. فضلا عن معالجتها الهموم المفعمة بالحزن الذي يكشف عن الحالة النفسية التي تصورها الاحداث تصويرا سرديا يعتمد الحركة والحوار الداخلي.. فضلا عن تركيزها على الهم الانساني الذي يصب في الدائرة الاجتماعية مع هيمنة الواقعي والتخييلي رؤيويا مع جمالية لغوية تميزت بشعرية العبارة وتشكيل المشهد.. فضلا عن سيطرة الجو النفسي على اجواء السرد المتسم بالقلق.. كما ان القاصة تعتمد البوح والاستطراد الوصفي مع انفتاح على رؤية تحاول الحلول في الآخر عبر درامية تؤسس لنوع من السرد الموائم بين العالم الخارجي برموزها الشخصانية.. والزمكانية التي تشكل اطار تحركاتها وتداعياتها التي تنبثق من مرئيات وموجودات تؤطرها.. ومن العالم الداخلي الضاج بالحوارات بوعي ذاتي مكتنز بخزينه الفكري.. فكان نصها يغوص بين ثنايا الوجود كي تحقق الانفلات من شرنقتها من اجل تحقيق المتعة الجمالية والمنفعة الفكرية.. مع اعتماد تقانات فنية وأسلوبية كالاستباق والاسترجاع الحدثي..
(كان الصباح مبكرا، وصارم البرد حين رنَّ جرس البيت، خرجت زوجته الى الفناء الطويل المؤدي الى الباب وهي تدثّر جسدها بمعطف ثقيل، فتحت الباب فلم تجد أحدا هناك، نظرت من حولها للحظات ثم أغلقت الدرفة الحديدية لتكتشف الظرف الداكن اللون وقد دُسَّ من تحتها، حملته بيد مرتعشة، وتحسّست ما يحتويه من رعب، ثم ركضت وهي ترتجف مرتعبة الى داخل البيت..) ص59..
  فالنص يُعالج قضايا الانسان وهمومه المنغمة بالحزن الذي يكشف عن الحالة النفسية التي تصور الاحداث تصويرا سرديا معتمدا الحركة والحوار الداخلي من خلال الصور الفنية التي يدركها الاحساس وهي توظف تشبيهات تكشف عن قدرة سردية توقظ الفكر.. فضلا عن أنها تقوم على تقنية المشهد البصري المبني على بعد فكري وأسلوب جمالي عبر لغة ترقى الى مستوى الشاعرية في التعبير عن الفكرة بألفاظ شفيفة بعيدة عن التقعر.. ابتداء من العنوان النص الموازي والعلامة السيميائية الدالة بأبعادها التأويلية.. المستل من بين الايقونات العنوانية الداخلية.. 
(طورت لعبتي بطريقة اتهمت بالجنون لممارستها، أعلن الرقعة امام المرآة، وأشطر نفسي عدوين متحاربين مقسمة يدي بينهما، أحرك باليمين الاحجار البيضاء وبالشمال السوداء، هكذا ألعب لعبتي المفضلة بروحين عدائيين، وبما يجنبني مرارة الخسارة التي أكره أمام أي أحد، سواي، هو وفي ذات الوقت شعور بالامتلاء بنشوة النصر، وبما يمنحني قوة ألملم بها شتات أنصافي المحطمة، لأواصل اللعب من جديد..) ص123 ـ ص124..
  فالنص يتسم بالغرائبية أسلوبا وبنية ودلالة، مع توتر درامي وامتزاج المستوى الموضوعاتي والتقني لخلق دينامية سردية فانتاستيكية.. فضلا عن ان المنتجة (القاصة) تحاول ان تخلق اتزانا بين ما هو حسي وما هو ذهني، والسير في أعماق ذاتها وفق رؤية خاصة وطريقة تعبير مسايرة لواقع تعيشه، وهي توقظ الوعي المعرفي عبر توظيف الرمز المعمق لمضامينها السردية... المتعددة الاشكال المعبرة عن الهم الانساني بمخيلة متدفقة عاكسة لرؤيتها للواقع الاجتماعي والسياسي بمصداقية منطلقة من تفاعلها ورصدها للحظات المفعمة بالحياة، مع تميزها بتماسكها ووحدتها الموضوعية مع صدق التجربة وغلبة الافكار الواقعية وتلقائية التعبير لفسح المجال امام جماليتها الصياغية وترابط مضامينها الانسانية.. فشكلت لحظات متوهجة خصبة وعميقة استفزت متلقيها وحركت خزانته الفكرية..