خالد السلطاني: يستفزني التعامل السيئ مع العمارة العراقيَّة

ثقافة 2020/11/16
...

حاوره: عبد الجبار العتابي
اسمه يدلُّ على أنه قامة إبداعيَّة ثرة، مهنته رسم الجمال واستحضار التراث الجميل والتغني بالذي خلّفه السابقون، إذ امتلك الامتداد منهم ليشيع البهجة والتحضر، إنه الأستاذ المعماري خالد السلطاني الذي أنعشنا برشات من جماليات المعمار.
* عرّف لنا نفسك؟
- اسمي "خالد": خالد بن داود بن سليمان. من مدينة الصويرة. أسعى الى أنْ أكونَ متحضراً ومحباً للمعرفة وللثقافة وللعمارة التي هي مهنتي واهتمامي. أتوق الى أنْ أكونَ من ضمن أولئك الذين يعترفون بالآخر وبإنجازه وبإضافاته، وأطمح للتعلم منهم. وأعدُّ قضية "التثاقف" قضيتي المعرفيَّة الأولى، بها يمكنني (يمكننا) أنْ نصل الى مستويات عالية من الحضارة والمعرفة.
 
* ما الذي دعاك الى اختيار فن العمارة ليكون مهنة حياتك؟
- يتعين القول عليَّ بأنني انطلاقاً من خصوصية (ريفيَّة) مدينتي الصغيرة، لم أعرف على وجه اليقين ماذا كانت تعني كلمة "عمارة". وبحكم درجات معدلي العالي الذي أهّلني للحصول على "بعثة حكوميَّة" بعد البكالوريا. كان همّي (كما هو همُّ وتمنيات كثر من أبناء مدينتي الفقراء) أنْ يصبحوا أناساً مهنيين مهمين، وكانت "الهندسة" مع "الطب" أعلى سلم تلك التمنيات، فاخترت "الهندسة" والعمارة ما بين تلك الهندسات، لأنني كنت أيضاً مقتدراً في الرسم والتخطيط، وقيل لنا إنَّ ذلك من متطلبات "هندسة" العمارة، بعد ذلك، وكما تعرف، فقد أصبحت العمارة جزءاً لا يتجزأ من شخصيتي واهتماماتي ومهنتي المفضلة.
 
* هل من سر وراء التواصل مع العمارة حتى هذا الوقت؟
- لا، ليس ثمة سرٌ أو أسرارٌ. فالعمارة بالنسبة إليّ إضافةً الى كونها "مهنتي" المفضلة، فهي أيضاً "هوايتي" بكل ما يترتب على تلك الكلمة من معنى. أحياناً أدهش لرؤية جرأة العمل المعماري وأحس بتأثيره القوي في إحساسي وذائقتي، تماماً كما يحسُّ بها كثر من الناس لا يمتلكون ثقافة معماريَّة كافية. أشعر بمتعة كبيرة وأنا أشاهد "أو وأنا في حضرة" عمل معماري مجتهد ولافت! وهذا يضيف لي "لذاذة" ومسرة زائدتين.
 
* متى دخلت دائرة الشهرة لأول مرَّة؟
- طبعاً مفهوم "الشهرة" يبقى لدي مفهوماً نسبياً. وخصوصاً وأنت تسأل عنها "لأول مرة"، فماذا تنتظر من فتى ريفي "مستضعف" يدرك (الشهرة) إياها التي تتحدث عنها وفق معاييره الخاصة. أعترف بأنني "صادفت" تلك الشهرة (وكما أتذكر) مرتين في السنين الأوائل من حياتي. المرة الأولى، عندما تسلمت في العام 1959 مبلغ "سلفة البعثة" وقدره "ثمانون ديناراً"! وكان بالنسبة لي مبلغاً كبيراً وضخماً، لم أر في حياتي مبلغاً بقدره. إذ إنَّ صديقي الذي رافقني بالمصرف لتسلم "السلفة" اقترح عليّ أنْ أسيرَ أمامه وهو يكون خلفي، يتابع بنظراته الثاقبة "جيوبي" التى امتلأت بـ "أنواط" عملة خمسة دنانير الحمراء، حتى لا يتمكن "النشالة" من سرقة دنانيري، عندها شعرت بأني محط نظر واهتمام وعناية... و"شهرة" لدى جميع "سابلة بغداد"، في الأقل الذين يمرون بجانبي.
والمرة الأخرى، عندما سلمت، وايضاً في العام 1959 "تخطيطاً" رسمته للزعيم عبد الكريم قاسم الى إدارة جريدة البلاد، ونشرته الصحيفة الذائعة الصيت في اليوم التالي على صفحتها الأولى..، لقد كانت فعلاً مفاجأة لي. وعندما كنت في قاعة السينما في ذلك اليوم لاحظت كثراً من الناس المشاهدين قبل بدء الفيلم يطالعون جريدة "البلاد" وفيها يظهر "تخطيطي". وربما لا أحد كان مهتماً بالتخطيط، لكني أعتقدت أنَّ الجميع اشتروا الجريدة من أجل تلك "الرسمة".
 
* ما الذي يستفزك أكثر في العمارة العراقيَّة؟
- ما يستفزني، وما آسف له، وما يغضبني، هو التعامل السيئ مع نماذج العمارة العراقيَّة. فالكثير من "الإداريين" الذين أصبحوا (بقدرة قادر) "أرباب أعمالٍ" للأبنية العراقيَّة المميزة، ورؤساء دوائر إدارية تشغل تلك النماذج المعماريَّة اللافتة، لا يعرفون، لا قيمة المبنى المعمارية، ولا أهميته الثقافيَّة والحضاريَّة. فيتصرفون معه تصرفاً لا يحفظ صورته الأصليَّة، وأحياناً يدخلون تشويهات أسلوبيَّة وإضافات بنائيَّة تؤدي الى طمس قيمة المبنى وتشويهه والأمثلة كثيرة، بيد أني ما زلت كلما أتذكر ما حدث لمبنى "مشغل الهلال الأحمر" في بارك السعدون، والمشيد في العام 1949 أصاب بالغثيان "لازدراء" القيمّين عليه بالوقت الحاضر، وقلة احترامهم للمبنى الرائد.
 
* ما أبرز إنجازاتك الشخصيَّة في مجال العمارة وما أهميتها؟
- لم تتح الظروف لي بالكامل أنْ أتفرغ للعمل المهني، فقد "حرمنا" النظام المباد بحجة (التفرغ الجامعي) من النشاط المهني الخاص. ولكني مع هذا فقد صممت قبل ظهور ذلك القانون عدة مبانٍ، أكنُّ حباً لإحداها وهي عمارة المبنى الإداري في كهرباء الناصريَّة (1979) التي لم أشاهدها وهي تكتمل لعدة أسباب، وبعث أحد الأصدقاء لي صورة فوتوغرافيَّة عنها منذ فترة قريبة. كما أعتز بإضافتي الى مبنى المجمع التدريسي في الجامعة التي عملت بها بالأردن، وهي إضافة صممتها ونفذت عام 1998، وافتتحت من قبل الملك عبد الله الثاني.
 
* ما الدافع الأول للكتابة والتأليف عن العمارة والمعماريين؟
- أنت تعرف بأنني "أكاديمي"، وجلّ عملي وواجبي واهتمامي هو نقل المعرفة الى الآخرين. وأشعر أنَّ القيام بهذه المهمة هو من الأعمال الصالحة التي أحبها وأتماهى معها. إنها شخصيتي واسمي ومهنتي وواجبي؛ ومن أهم "تجليات" ذلك الشغف المهني هو الكتابة في الاختصاص ونشر المعلومة حوله، وجعل الآخرين يهتمون بما أنت مهتمٌ به أو تسعى بالكتابة لتحقيق ذلك.
 
* أي قلق يساورك وأنت تتطلع الى ملامح العمارة الغائبة عن بغداد؟
- بالطبع أشعر بقلقٍ كبير وأنا أتابع غياب العمارة في بلدي، وليس فقط في بغداد لوحدها. فالنشاط المعماري في الأخير هو قرار سياسي، وليس مهنياً كما يتبادر الى الذهن. فعندما يكون هناك "إصرارٌ" على عدم الإعمار أو تغييب الإنشاء والبناء وحذفهما من الأنشطة الاقتصاديَّة، كما يفعل الآن "سياسيونا" بنجاحٍ باهر، فكيف تريد مني ألا أقلق أو لا أكترث بما يحصل؟ أشعر بإهانة شخصيَّة لفضائح ما يجري من غياب تام للشأن المعماري ببلدي، وأحمل جميع السياسيين الذين تسلطوا على الحكم في وطني جريرة حصول هذا الغياب المخزي.
 
* هل يمكن أنْ تذكر لي آخر بناء معماري مهم في بغداد؟
- أنت تتذكر جيداً بأنَّ سنين الثمانينيات كانت سني حروب مجنونة وعبثيَّة. ثم تلاها عقد التسعينيات الذي حفل بحصار شامل وغير إنساني وطويل، بعد ذلك حدث "التغيير"، بيد أنه كان تغييراً لم يمس كنه ما كان يتمناه كثر من العراقيين، كل هذه "الثقافات" وما نجم عنها من نتائج وخيمة، لم تعط الفرصة للبناء وللإعمار ولم تتح أية فرصة لظهور "حدث" معماري لافت. وإذا جاز لي أنْ أتذكر (اخر بناء معماري)، فإني أتذكر بحسرة عدم تنفيذ مبنى متعدد الطوابق ومتنوع الاستخدامات صممه المعمار العالمي الشهير "روبرت فنتوري" في بغداد عام 1983. في منطقة "سيد سلطان علي" بالجانب المطل على شارع الجمهورية. أعدُّ عمارته مهمة جداً، وهي استثنائيَّة في لغتها التصميمية، وتمثل في رأيي أحد إنجازات عمارة الحداثة (او بالاحرى ما بعد الحداثة) العالميَّة.
 
* ما الملاحظات لديك على شارع الرشيد مثلاً؟
- إنك تثير وجعاً وألماً عميقين في ذكرك شارع الرشيد. لا أستطيع أن أسمع هذه (الجملة)، المتكونة من كلمتين من دون أسى للحال المريرة التي وصلت إليه حال هذا الشارع الجليل. كأنّ القيمين عليه "يستسيغون" وضعه الرث المهترئ؛ كأنهم "يستهنئون" بالمكانة البائسة والمهلهلة التي وصل إليها، كأنهم، في الأخير، "يكنون" له عداوة وثأراً قديمين. كان بالإمكان، وبسهولة إعادة إعمار هذا الشارع الحيوي الذي يحمل ذاكرة بغداد وألقها وتاريخها المديني، كحاضرة تاريخيَّة عظيمة، ولكن لمن المشتكى؟
 
* ما أسوأ العصور التي مرَّت بها العمارة العراقيَّة؟
- عندما يًغيّب النشاط المعماري، عندما لا أحد يتذكر بأنَّ ثمة مباني جديدة تنهض في بيئتهم المبنيَّة، عندما يلجأ المعماريون لمزاولة أعمال بعيدة عن اختصاصهم ومهنتهم المحببة، عند ذاك يمكن أنْ يقال إنَّ ذلك الزمن هو اسوأ زمن مرّت بها العمارة العراقيَّة.
 
* متى شعرت أنك لا تريد الكتابة ولا البحث في العمارة؟
 - مرات كثيرة، بسبب "نوبات" الإحباط ورؤية التشويه المبتذل الذي يجري على مفهوم العمارة ونتاجها المبدع ونماذجها المبنيَّة. 
 
* أي الألقاب أهم عندك (منظّر في العمارة أم المعماري)؟
- أميل الى أنْ يطلق عليَّ لقب "أكاديمي ومعمار"، فأنا طيلة سنين حياتي المهنية زاولت هذه المهنة التي أحبها وأشعر بأنني قد تماهيت معها وأصبحت جزءاً منها ومن
 معناها.
 
* كيف يمكنك أنْ تصف (الصويرة) وأنت بعيدٌ عنها؟
- شكرا لهذا السؤال، إنك بطرحه تعيدني الى مكانٍ أليفٍ وحميمي، الى بيئة طيبة ظلت دوماً في بالي تذكرني ببداياتي الأولى، عن مدينتي الصغيرة المطلة على نهر دجلة، عن شوارعها وبساتينها وعن أهلها وعن أصدقائي الذين ما زلت أكن لهم حباً ومودة، وأتذكرهم كجزءٍ من سيرتي الذاتيَّة. أتذكر مدرستي الأولى طلابها ومعلميها ومدراءها والأهم "بنايتها" وأحياءها الفسيحة المشرعة نحو النور والمعرفة، لكني أيضا أتذكر أنواعاً من "شظف" العيش وبؤسه فيها، والفقر الموجع الذي لا يمكن أنْ أنساه، وتعب أمي وكفاحها الحقيقي والمضني والمرهق لأجلنا في بيئة فقيرة ومعدمة وأحياناً.. ظالمة، كما أتذكر صنوف الإساءات الكثيرة وأنواع الإهانات المتنوعة التى صادفتها في تلك المدينة التي بقيت هي الأخرى من الأمور العالقة في ذاكرتي والتي لا تمحى، لكني مع هذا كله (وربما بسبب هذا كله) تبقى الصويرة في مخيلتي مطبوعة بالبراءة والبساطة، مدينة أحملها في ذاكرتي كمكانٍ مترعٍ بألحانٍ "رعويَّة" تصدح من بعيد، تشدني نحو متعة البدايات الأولى.
في شقتي "الكوبنهاغنيَّة" (حيث أقيم)، ثمة "لوحة" لشارع في الصويرة زمن الخمسينيات، ويظهر فيه سور مدرستي والأمكنة الأليفة
 لدي. 
رسمها لي خصيصاً "حسن بغدادي" أحد تلاميذ الفنان الرائد "عبد القادر رسام"، أحملها معي في كل محطات "غربتي"، وأعتز بها كثيراً، فهي تنقلني عند مجرد رؤيتها، مباشرة، الى مكانٍ وزمانٍ جميلين.