البيانات النقدية اشتغالات سمير الخليل الثقافية

ثقافة 2020/11/16
...

 د. علي متعب جاسم 

إن “ البيانات “ على سعة إشغالها الوسط الثقافي تكاد تنحصر في “ الشعرية “ وتَخْفت إنْ لم نقل تمحى على مستوى النقد، وليس ذلك لأن التصورات النقدية تمزج بالرؤى الشعرية المطروحة فحسب وإنما  هناك سببان رئيسان يحكمان المسألة، الأول منهما أن “ النقدية العراقية “ اتجهت إلى إنتاج القراءة الإجرائية باستثمارها المناهج والنظريات أكثر من اتجاهها إلى بناء التصورات وغابت “التأسيسات النقدية لمفاهيم النظرية الادبية “ كما يقول الفواز ولذا نلحظ بشكل واضح ظاهرة “ الشاعر الناقد “ الذي حاول أن يملأ هذه الفجوة باجتراح مفاهيم جديدة بعد أن يقترحها نصوصا شعرية مكتوبة.

والآخر إننا نلمس مثل هذه التصورات النقدية امتزجت إلى حد ما بأفكار الناقد ورؤاه في التحليل ولم تصدر بجهد تنظيري مستقل،  كما نلاحظ عند الناقد سمير الخليل لاسيما في دراساته الثقافية ومنها ما نحن بصدده الان  وهي وفقا لتوصيفه “ مدخل 
تنظيري “. 
إن الفكرة  التي يطرحها الناقد تنتظم بسياقين الأول ضرورة تمكين النقد  الثقافي من أدواته المعرفية وتعديل الصياغات النظرية التي درج عليها الباحثون( عراقيا على الاقل ) لإنجاز أحفورات ثقافية تُلائم بين معطيات الواقع وتحولاته وهي بالضرورة ترسيم لتحولات معرفية وثقافية يمكن وصفها بالكبرى، والآخر تفكيك البنى الثقافية المتحكمة في إنتاج الشعر وبيان خطوطها الزائغة والملتوية، وهما يقودانه إلى إنتاج الصورة الكلية. 
لم يكن الناقد منساقا” برؤية خارجية “ تكون ملاذا لإستبصاراته في رصد الظاهرة، إنما يوظف أدوات النقد الثقافي– بغض النظر عن علاقات نصه التي ينشأها مع النصوص الأخرى-  من داخل هذه الظاهرة بصفته جزءا من المشهد والظاهرة وهذا ما دفعني لتوصيف العمل بالبيان النقدي. 
يتأسس عمله إنطلاقا من فهم اشتراطات الشعرية وتفاعلاتها مع الإجتماعي، الذي له اشتراطاته ومواضعاته الوطنية بالضرورة، ومنها يترصد إشكالية الإشتباك المتفاعل بين ما أنتجته “ العولمة “ وما تحمله “ قصيدة النثر” تحديدا  لأنها الأقدر على تسويغ الثقافات وإدراج محمولاتها الناعمة لتكون ضديدا يسمح – وهو ما حدث – بانسيابية تمرير السياسي السلطوي ، لذا يبني رؤاه وفق مبدأ “ عولمة التوجهات في ميادين إنتاج الشعر وتوزيعه واستهلاكه “. هذا المبدأ الذي  سيكون “ للنقد الثقافي “ الدور الراهن في ترسيم شروطه . ثمة ممر واضح  على قصيدة النثر أن تسلكه هو العودة إلى “ السائدية “ التي 
أنتجته. 
هذا ما يشكل فرزا وضحا وأمينا لِخَطَي الشعر “القصيدة المبدعة “ والقصيدة “ الفجة “التي احتلت مساحة عريضة بفعل “السياسي المهيمن“ وأساليبه التي تتطور وفقا لسياقات يتحكم فيها إلى حد ما سوق العمل! لتمرير نكوصاته وإحكام هيمنته بالقوة الناعمة، هنا تظهر الايديولوجيا  بوصفها “تمثيلا شعريا أو سرديا او سياسيا للواقع “ما يعني ألا وجود لواقع خام إلا في “ التسييس المنتفع به“  وسنكون أمام خطين متمايزين: إذا ذهبنا مع الأول أي “التمثيل  المسَيطِر على الواقع الخام“، سنقع تحت هيمنة السياسي الايديولوجي وإذا سلكنا الثاني أي وعي الشعري “ تمثيلا وخلقا للواقع سنكون بمواجهة فعل الخلق الثقافي للواقع  بما تمثله النصوص - وهي غير بريئة حتما من الايديولوجيا - من تمثيلات ثقافية ومن الطبيعي ستكون العودة إلى إنتاج “ السائدية “ التي ألمحنا إليها . قد لا يكون الامر متاحا من دون “ رقابة نقدية ثقافية “ تعيد تنظيم العلاقة بين أكثر من طرف “ السياسي- الاجتماعي – الشاعر- القارئ “ وهو أمر منوط بالناقد الثقافي الحاذق الذي يدير دفة هذه المنظومة، هذا الناقد الذي لا يتقصى فعل الخلق الابداعي لأنه سيتجه بذلك إلى تدمير “ هوية النص “ بوضعه “ البنية الجمالية “ في حال استقلال عن “ البنية الثقافية “ التي أنتجته ، لذا يشخص عاملا مهما ويسميه “ النضج السياسي “ قادرا على بلورة “ البنية الجمالية الداخلية للشعر “ تحقيقا للإستقلالية التي ستتجه بالقصيدة إلى بر غير ملوث بالهلوسات وغيرها مما رافق القصيدة من أمراض معروفة للمتابع.
وهذا بالوقت ذاته لب المشكلة كما نستنتج من تصوره لاتجاه بوصلة قصيدة النثر العراقية  النضج السياسي مقابل “ اللامعقول السياسي “ الذي أهدر دم القصيدة بإفرازه الذائقة التي سورها  نهجان حطما يقينياتها وتساؤلاتها على حد واحد وأي فحص نقدي ينبثق عنهما هو بالضرورة فاقد لاهليته لأنه فاقد “ للمادة الايديولوجية اللازمة لنسف المنهج الذي لازم النص “تلك المادة التي ستعيد الشعر الى“ سائديته”. 
 
* يحيل الكلام بالخط المغاير الى مبحث “ التمثيلات الثقافية للخطاب الشعري، الشعرية، السلطة، الايديولوجيا، الهوية (قصيدة النثر) من كتاب موت المؤلف للناقد د. سمير الخليل.