دعوة لإزالة التعارض التشريعي ‏

من القضاء 2021/04/05
...

‏القاضي د. حيدر علي نوري
 
 نصت المادة (109 / ب ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل ‏المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 2004 في 31/ 5/ 1971 على أنه: (يجب توقيف ‏المقبوض عليه اذا كان متهما بجريمة معاقب عليها بالإعدام وتمديد توقيفه كلما اقتضت ذلك ضرورة ‏التحقيق، مع مراعاة المدد المنصوص عليها في الفقرة (أ) حتى يصدر قرار فاصل بشأنه من قاضي التحقيق ‏او المحكمة الجزائية بعد انتهاء التحقيق الابتدائي او القضائي او المحاكمة)، الا أن امر سلطة الائتلاف ‏رقم (7) لسنة 2003 المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 3978 في 17 / اب / 2003، ‏وبموجب القسم 3 / 1 منه علق عقوبة الاعدام في كل حالة تكون فيها عقوبة الاعدام هي العقوبة ‏الوحيدة المنصوص عليها لمعاقبة مرتكب الجناية، وتضمن عقوبة جديدة لم يألفها التشريع الجزائي ‏العراقي، ألا وهي عقوبة السجن مدى الحياة، كما تضمن انه: ويجوز للمحكمة ان تستعيض عنها ‏بمعاقبة المتهم بالسجن مدى الحياة او بفرض عقوبة اخرى عليه اقل منها وفقا لما نص عليه قانون ‏العقوبات.
 وإذا تطرقنا الى امر سلطة الائتلاف رقم 31 لسنة 2003، المنشور في جريدة الوقائع ‏العراقية بالعدد 3980 في اذار 2004، نجد أنه عرف السجن مدى الحياة، استنادا لأحكام القسم ( 2 ‏‏/ 1) منه، ويقصد به بقاء الشخص المعني بالسجن طوال سنوات حياته وحتى تنتهي حياته الطبيعية ‏بالوفاة، كما عدل عقوبة جرائم الخطف المنصوص عليها بالمواد (421 و 422 و 423) من قانون ‏العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 1778 في 15 / 9 ‏‏/ 1969، وجعلها السجن مدى الحياة وعلق العمل بالمادتين (426 و427 ) منه وبذلك اصبح زواج ‏الخاطف من الضحية ليس من شأنه ايقاف الاجراءات القضائية في مرحلة التحقيق او المحاكمة و لا ‏ايقاف الحكم الصادر ضد المتهم، ولا يعد عذرا قضائيا معفيا او مخففا يمكن الاستناد اليه، كذلك جعل ‏عقوبة جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي المنصوص عليها بالمادة (393 ) السجن مدى الحياة، ‏وكذلك الامر بالنسبة للعقوبة المنصوص عليها بالمواد (353 و440 الى 443 ) من قانون العقوبات، ‏ونص في القسم (6) منه على انه :( بالرغم من شروط الكفالة المنصوص عليها في المادة (109 ) من ‏قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971، يجوز للقاضي الذي يتولى المراجعة في ملف ‏القضية ان يأمر باحتجاز المتهم بارتكاب جريمة تكون عقوبتها القصوى السجن مدى الحياة وعدم اخلاء ‏سبيله لحين المحاكمة مقابل كفالة مالية)، ما يعني جواز اطلاق سراح المتهم في الجرائم المعاقب ‏عليها بالسجن مدى الحياة، ولما كانت عقوبة الاعدام اعيد العمل بها بموجب امر مجلس الوزراء رقم 3 لسنة ‏‏2004 المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 3987 في ايلول 2004، ولكن وفقا للجرائم ‏المنصوص عليها فيه بموجب الفقرة اولا منه، ومنها جرائم الخطف المشار اليها انفا، الا انه لم يتطرق ‏الى جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي مثلا، مما يعني بقيت عقوبتها خاضعة لأحكام امر سلطة ‏الائتلاف رقم 31 لسنة 2003 وهي السجن مدى الحياة، وبذلك فإنها تخضع للجواز المشار اليه بالقسم ‏‏(6) من امر سلطة الائتلاف رقم 31 لسنة 2003 انف الذكر المتعلق بإطلاق سراح المتهم بكفالة، لعدم ‏تطرق قرار مجلس الوزراء الى الغاء القسم (6) من الامر المذكور.
 وحيث ان اوامر سلطة الائتلاف ‏المؤقتة آنفة الذكر بينت معنى السجن مدى الحياة المتجسد ببقاء الشخص المعني بالسجن طوال سنوات ‏حياته وحتى تنتهي حياته الطبيعية بالوفاة، وان محكمة التمييز الاتحادية اوضحت في احد قراراتها ان ‏السجن مدى الحياة يماثل عقوبة الاعدام من حيث الاثر، اذ يترتب عليه بقاء المحكوم في المؤسسة ‏العقابية الى حين انتهاء حياته بالوفاة، مما يعني عدم امكانية شمول المتهم بالجرائم المعاقب عليها ‏بالسجن مدى الحياة بإطلاق السراح بالكفالة، اسوة بالجرائم المعاقب عليها بالإعدام تطبيقا لأحكام المادة ‏‏(109 / ب) من قانون اصول المحاكمات الجزائية انف الذكر.
 وعلى اساس ما تقدم يتضح وجود تناقض ‏بين احكام (الفقرة ب من المادة 109 الاصولية ) والقسم (6) من امر سلطة الائتلاف رقم 31 لسنة ‏‏2003، الامر الذي يقتضي الغاء القسم رقم (6) من الامر انف الذكر بغية اعمال القاعدة العامة ‏المشار اليها بالمادة (109 / ب) الاصولية، ولما كانت عقوبة السجن مدى الحياة عقوبة دخيلة على ‏التشريع العراقي ويترتب عليها اثقال كاهل المؤسسة العقابية بمحكومين لا تنتهي مدة محكوميتهم، إلا ‏بانتهاء حياتهم وما يترتب على ذلك من نفقات تعلقت بتوفير المستلزمات اللازمة لمعيشتهم وإقامتهم من ‏خلال زيادة عدد المؤسسات العقابية لاستيعابهم، وان ذلك يشكل عبئاً على ميزانية الدولة، الامر الذي ‏يقتضي تدخل المشرع لتعديل امر مجلس الوزراء رقم 3 لسنة 2004، حتى يشمل جميع الجرائم المعاقب ‏عليها بالسجن مدى الحياة، التي اشار اليها الامر رقم 31 لسنة 2003، كما ندعو 
المشرّع العراقي الى ‏تعديل أوامر سلطة الائتلاف او أمر مجلس الوزراء المشار اليهما آنفا، وفقا لوجهة النظر المتقدم ذكرها، ‏للحيلولة دون تعارضها مع التشريعات الجزائية الإجرائية والموضوعية النافذة، وإصدار التشريعات اللازمة ‏بهذا الخصوص، لضمان وحدة التشريعات والتطبيقات القضائية بما يؤمن حماية حقوق الإنسان وتحقيق ‏العدالة والإنصاف بسهولة ويسر.‏