إحصائيات وخسارات

قضايا عربية ودولية 2023/02/27
...

علي حسن الفواز



مفهوم رؤية الحرب لا يشبه مفهوم رؤية العالم، فالأول شأن عدمي، والثاني فكرة فلسفية تقوم على استنهاض ماهو ممكن على حساب ماهو كائن، لكن هذه الثنائية قابلة لأن تتحول إلى لعبة خطيرة في صناعة الأزمات، وفي تحويل الحرب إلى رهان على فرض الهيمنة على رؤية العالم، وعلى نحوٍ يُسهم في تغليب القوة والعنف والكراهية والثروة على قيم التعايش والتنوع  والاختلاف والقبول بالآخر.

في الحرب الروسية الأوكرانية تعطلت رؤية العالم، وانكشفت بوضوح فاجع ملامح رؤية الحرب، من خلال تغوّل ظاهرة العنف الدولي، وتفاقم أزمات الغذاء والطاقة، وصولاً إلى اتساع حجم الخسارات التي تعرّضت لها كثير من دول العالم، على مستوى العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والغرب، أو على مستوى الإحصاءات التي ترصد أعداد وأقيام تلك الخسارات.

لقد شملت العقوبات على روسيا، والبالغة  6000 عقوبة ميادين السياسة والاقتصاد والثقافة والتكنلوجيا والرياضة، مثلما شملت العقوبات دولا أخرى مثل الصين وإيران وبيلاروسيا، والتي تحوّلت إلى صراعٍ مُزمِن من الصعب السيطرة على تداعياته ونتائجه، كما أن تفاقم هذا الصراع، وفي مجالات متعددة، تسبّب بأزمتي غذاء وطاقة عالميتين، وعن موجة تضخم ضربت معظم اقتصادات العالم، وعن خسائر كبيرة اقتربت من 2،3 تريليون دولار، مع اندفاع نحو زيادات غير مسبوقة أشعل سباقها البنك الفيدرالي الأميركي في رفع الفائدة، وبوتيرة لم تحدث منذ أكثر من أربعة عقود، فضلاً عن وضع ملايين الوظائف في القطاعات المتعددة أمام خطر الزوال، وهو مايعني زيادات خطيرة في نسب العاطلين عن العمل، وبالتالي التهديد بوضع الاقتصاد العالمي عند حافة الركود.

الإحصاءات تكشف عن تلك الخسارات المروّعة، وباتت رؤية الحرب تتجاوز الحدود، وتُضيّق المسافات على رؤية العالم، وبما يجعل الجميع عند خيارات متوحشة، تبدأ من زيادة جرعات العسكرة، ومن الخرابات الاقتصادية والعزل السياسي، وانتهاء بالتهديد النووي الذي بات رهيناً بتداعيات ما يحدث على الأرض، وعلى جبهات الحرب الآخذة

بالاتساع.