«نزيلاتُ هاديس» بين الكينونة والرمز

ثقافة 2023/05/30
...

  فارس عزيز المدرس

 حياتنا مَشحونة بالأساطير.. سلوكنا تمظهرٌ لِما لا يحصى مِن الرموز. والرموز تفعل فينا ما لا تفعله أشد الأفكار قوة ومَهابة، وما نراه في حياتنا مِن تكثيف للرمز لا تفسره قوة المحتوى، بل يفسره كون إراداتنا منجذبة؛ بل خاضعة للاشتغال الرمزي، وعقولنا في الغالب أسيرة الخيال؛ في أكثر تصوراتنا وعملياتنا الذهنيّة. حين نطلق كلمةَ (رمز) نعني حشداً مِن الأشياء؛ بما في ذلك الأسطورة بأنواعها؛ فضلا عن لغاتنا التي يكتنفها الرمز إلى أقصى تخومها. وقد يتمثل الرمز بأشخاص لهم قداسة؛ أو مهابة في قلوبنا أو رعب. وكل أسطورة رمز، وليس كل رمز أسطورة. والأسطورة متخيَّل يتحدث عن مواقفَ لا واقعيّة؛ لكن الإنسان ينسجها على نحو خارق، ثم يفسرها تفسيراً يضفي على قناعاته الاستقرار، ويخمد بها نيران الأسئلة التي يعجز عن الإجابة عنها، أو لا يريد الإجابة أصلا.

والرمزُ الأسطوري اصطلاحاً: أسلوبٌ يستخدمه الأديبُ، ليُسهِم في تشكيل المعنى، وقد يكون كلمةً أو عبارةً أو شخصيةً، أو مكاناً. ويتضمَّن دلالتين؛ إحداهما ظاهرةٌ، والأخرى باطنةٌ. والهدفُ مِن الرمز الأسطوري تكثيفُ قيمةٍ معرفيّة أو أخلاقيّة، أو محاولة الانقلاب على واقع ما، أو التفلّت مِن وطأة أحوالٍ وتقاليد قارَّة. 

وفي العصر الحديث وجد الشعراءُ في الأسطورةِ تعبيراً عن قضايا لا يستطيعون التعبير عنها مباشرة. ولم يأخذوا الأسطورةُ حرْفياً، بل منزاحة إلى قضايا تشبه الأصلَ. والمقصودُ بالانزياح تحوير الأسطورة بما يلائم قصد الأديب، ويكون غرضُ الانزياح إمّا الاختصارُ أو التخفي، أو التكثيف، أو الغِنى الخيالي والجمالي. أمّا الغرضُ الأكثر عمقاً فهو التعبير عن موقفٍ أو مبدأ، مِن خلال سحب مضمون الأسطورة على الواقع. وأيُّ استخدام لهذا الرمز لا يحقّق شيئاً من هذه الإغراض فهو تكلّفٌ لا قيمةَ له. 

هذه مقدمة تفيدنا في فحص مدى نجاح الشاعرة ابتهال بليبل في استخدام الرمز؛ للتعبير عن هموم القارئ، وهو بصدد قضية رافقت الإنسانَ عبر تواريخه... إنّها قضية التمييز الجنوسي بين الأنثى والذكر، أو قلْ هو الانحراف في موقف الإنسان مِن قضية العدالة والاعتبار الأخلاقي.

في ديوانها (نزيلاتُ هاديس) نجد بليبل على علم بحدَثِ الأسطورة، وجاء توظيفها محمَّلاً بالموضوع.. موضوع سلب الحرية أو اشتراط الهيمنة؛ في مقابل منح الأضعف هامشاً مِن الحضور. وهذا الاشتراط الذي في أسطورة هاديس هو عينُه الاشتراط الذي نجده في الكثير مِن القيم والتقاليد التي غالبا ما نُغلفُها بمسوغاتٍ دينيّة أو أعراف مجتمعيّة. وهذا هو المِفصل الأهم في المقاربة بين حدَث الأسطورة وبين واقع الأنثى؛ حين تقع ضحيةَ الاشتراطات. ولمعرفة مستوى تمثّل مرامي الأسطورة في (نزيلات هاديس) نستعرض لمَحاتٍ من أصلِ الأسطورة.

هاديس كلمةٌ يونانيّة معناها الحرفي: «ما لا يُرى»، أو ما خَفي على الأبصار. وهو إلهُ الجحيم الإغريقي، وأخو كبير الآلهة زيوس. تبدأ القصةُ بخطف هاديس بروسيفون؛ ابنة زيوس من زوجته ديميتر؛ حين كانت تجمع الزهور؛ فانشقت الأرض وسحبتها إلى العالم السفلي، الأمر الذي جعل ديميتر تنزل إلى الأرض باحثةً عن ابنتها، ونادت مِن أعلى الجبال؛ وكان صوتها يصل كلَّ الأرجاء. ثم بعث زيوس إلى هاديس ليخْلي سبيل بيرسيفون، لكن هاديس تزوّج بيرسيفون، وجعلها ملِكة العالم السفلي. وبعد مفاوضاتٍ أعلن أنّه سيمْتثلُ لطلب زيوس، غير أنّه أطعمها ثمرةَ رمّان تجعلها تعود إليه، وجرى الاشتراطُ على أنْ تقضي بيرسيفون ثلث العام مع هاديس، ثم تعود في الربيع حيث ينضج الثمرُ وتزدهر الحقول.

والملفت أنَّ بليبل جعلت مِن شخصية هاديس رمزاً لمكان، هذا المكان هو عالم السجن الذي لم تصرّح بلفظه؛ بل استخدمت استعارة ضمنية (نزيلات). وحين ننزع المجاز سيكون العنوان (النساء السجينات لدى هاديس). فهاديس إذن رمز الذكورة؛ حين تنحرف عن بُعدها الإنساني، وتتحول إلى سلطة استعباديّة.

 تُمهّد بليبل لديوانها بعنوان: (قُبيل الدخول إلى هاديس).. أي قبيل الدخولِ إلى السجن، وسواء تمثّل هذا السجن بأشخاص أو بيئة؛ فهو عينُه السجن في أي بيئة أو شخوص تحمل عقولاً تنطوي على فكرة تغييب الأضعف الذي غالبا ما تتمثّل بالمرأة.  تقول بليلبل: «إنّ إيذاءَ المرأة وحرمانَها من الحرية يتواجــدان فـي الغياب، بينما في الواقع يرتبطان بشكل عميق كقضية عامة، لأنّ تبعيّة النوع الاجتماعي يجب أنْ تُفهم على أنها مشكلةٌ جماعية؛ تتعرّض فيها المرأة للاضطهاد. 

ومِن هنا جاءت «نزيلات هاديس» لكلِّ امرأة لم تعد الأحكام المجتمعية ترضيها... كل امرأة سجينة في هذا العالم المخيف».

وتفكك بليبل صوراً كثيرة من صور التغييب؛ لكنها لا تنسى أنْ تشركَ المرأة بوصفها أحد مُسببات هذا التغييب. وهذا نزوعٌ شجاعٌ يتجاوز الانحيازَ؛ ليوغلَ في التحرّي عن الأسباب. فالمرأة حين ترضى إجرائياً بأنْ يكون المعرِّفُ الجسدي عنواناً لها ستقبل بوصفها بالجنس الناعم أو الجنس اللطيف، الذي عليه أنْ يوغلَ في طلب الإثارة والإغواء لتجذب الرجل؛ وتهيمنَ على ميوله ونوازعه. وبهذا تتوهّم أنها تجد لها حضوراً وحقوقاً.

 لا أحدَ يعترض على أنّ الجمالَ خصلةٌ مميزة، لكن الشرخ الأكبر يمثّل بأن يكون الجمال الجسدي المعرّف في نظام الرتبة بين الجنسين. وكلّما كان نظام التعريفِ جسدياً كلما رسّخت المرأةُ أكثر الخسارات في قضيتها؛ متوهمةً أنّها تتحصّل على الفرادة والحقوق. في حين أنَّ رتبة الرجل تمتاز بالعقلِ والقوة والحكمة والقيادة.. تقول بليبل:

«وتذكرتُ لحظتها النسويّات المعاصرات، ولأعــــــوام يشكِّلن أجسادهن على مقاسات - الكـــور سيهات - بمــا يتوافق مع معايير الجمال المليئة بالأخطاء الطبيّة. تعذيب ما، كتلك اللحظة التي يقيدون أنفاسك، حيث يكون عليك أنْ تتخيل شكلك كمشاهير السيرك».

  إنّ أحداً - وعِبر كلِّ دهاليز التاريخ - لم يُشِر إلى أصلِ الظلمِ الذي أُلحق بالمرأة؛ عبر صيغٍ جائرةٍ من التفاضل والتراتب. وفي الزمن الأخير ترى ذكوراً يصبّون ألفاظَ الإدانةِ على الذكورةِ؛ لكن ذكورتَهم مستمرة في سطوتِها. وبالتكرار والتلقين استقرَّ المعرّف الجسدي في أعماقِ كثيرٍ من النساء؛ فتراهنّ ميالاتٍ إلى كلَّ نغمةِ تداعبُ أنوثتِهن التي لا تُشبعها إلا أشدُّ تعبيراتِ الغزل كذِباً، ويتمنينَ لو تحوَّلَ كلُّ رجالِ الأرضِ إلى كذابين. يصنّف الرجلُ المرأةَ بـ (الجنس اللطيف)، واللطفُ هنا تعريف جسديٌّ؛ يستلزم الضعفَ، والاعتمادَ على المظهر، وعلى المرأةِ التهالُكُ في تحصلِ المزيدِ مِن اللّطف؛ لتنالَ رضا الرجل، وإلا فهي ليس بلَطيفة!. فإذا قيل: المعنيّ بهذا اللطفِ اللطفَ المعنوي فهو اعترافٌ مِن الرجل بأنّه غيرُ مميَّز باللطف في سلوكِه ومشاعره!. وهكذا تتحول اللطافةُ إلى معرّف يرسخ الدونيّة والقصور. 

وإذ تؤشر بليبل على هذا الشرخ فإنّها تثور على المسبباتِ الأصلية للدونية التي يرسخها كثيرٌ من الفلسفات والأديان، وبذور هذه الفكرة تجدها لدى أغلب الفلاسفة؛ بما فيهم كانط الذي حاول تجنّب الاعتراف المباشر بدونية المرأة؛ لكنه عدّ النبلَ والكمال العقلي فضائلَ للرجل. يقول: مِن الصعب أنْ أصدقَ بأنَّ المرأة قادرة على المبادئ، ويتطلّب هذا أنّ النساء مِن وجهة نظره أقلُّ مِن وكلاء أخلاقيين. والمرأة قادرةٌ على الفضيلة، لكنها فضيلة جميلة. ولا أحد بما في ذلك كانط نفسه فسَّر معنى الفضيلةِ الجميلة؛ سوى ما عُرف لاحقاً بالجمال الجسدي؛ بوصفه معياراً ومعرّفاً للأنوثة.

ربما لم تتعمّد بليبل اختيار اسم (نزيلات) بهدف الانفتاح اللغوي. لكن هذا اللفظ يوحي بنوع مِن إرادة الأخيار، بخلاف لفظ سجينات. فإذا كان هذا فهي توحي بما يسمّيه علماء الاجتماع بـ متلازمة ستوكهولم، وهي استجابة نفسية يبدأ فيها الضحية بالتعاطف مع الجناة. ويذكر العلماء أنّ هذه المتلازمة تبدأ عندما يهدّد الجاني الرهينةَ بالإفناء، ثم يختار التخفيف، وهنا يتحوّل موقفُ الرهينة إلى مشاعر الامتنان. وهامش المتلازمة يتكرّر في المجتمعات الخارجة من أزمات الحروب، أو التي طال خضوعُها لأعراف تعسفيَّة تحدّ مِن الحرية والمساواة.

كثفت بليبل العديدَ من الصور المأساوية التي تنتاب النساء، بل غرقت في تفاصيل حسّاسة؛ مِن العسير أنْ يفهمها سوى النساء الأكثر معاناة وثقافة؛ لأنهن الأشدُّ رهافةً وشعوراً. ومِن هنا تبدأ سلسلةُ الاغترابات التي امتلأ بها الديوان. لكن بليبل سرعان ما تعود إلى البيئة وتصف مأساويتها العامة التي تشمل النساء وغير النساء. إنها حالة من الاختناق يعانيها الناس بعامة، لأن ضياع القيم بسبب التخلف أو اليأس أو هيمنة الايديولوجيات بأنواعها ينعكس على الجميع. ومن هنا تبدأ انعطافة بليبل لتدمجَ المأساة في قالبٍ واحد؛ من دون تمييز جنوسي، وتفضحه فضحاً، فمأساوية أيُّ امرأة هي مأساوية أي مجتمع يعاني من شروخ في بنيته الاجتماعية. تقول: يا لقلة الهواء في مدينتي!/ يا لكثرة الحرائق التي تخص النساء/ لسن وحدهنّ من يشعر بالاختناق، فحين نمر/ خلسةً أمام المقهى الخالي./ وحين يلعب العجائز (الدومينو) يشعرون/ بالاختناق أيضاً./ وحين يشتعل المكان.. / تتعالى الأصوات بالشتائم بعد أنْ يُفسد انتهاءُ اللعبةِ نجاتَهم).

تقاوم بليبل بضراوةٍ عنجهيةَ التسلّط، وترفض أنْ تكون الأنثى لعبةً جميلةً، بحسب التصنيف النيتشوي. وتستخدم (الشعرية) أكثر مِن تقنيات المنطق؛ لأنّ الحداثةَ نفسها رسّخت الكثيرَ من مظاهر الانفصام؛ بالاستناد إلى منطقٍ يفعّل الأزمةَ بالتمرد؛ بوصفه هدفاً؛ وجعلت قضيةَ المرأة ذات نزوع ثأري، ولم تعتدّ كثيراً بترشيد علاقة الأنثى بالرجل أولا، وبالمجتمع ثانياً؛ من خلال تنشيط البعد الإنساني والأخلاقي، بل اعتمدت تشريع المزيد من المُحدّدات القانونية. 

أمّا بخصوص الخطاب فالذي يميّز لغة الشاعرة الحساسيةُ الشعرية، وهي حساسية عميقةٌ، الوصفُ فيها يمتاز بدقة التعبير عن مأساوية الواقع، والبلاغةُ لديها تتجنّب الأخيلة المعقدة، وتميل إلى الواقعية المفعمة برومانسيةٍ ثائرة؛ لا رومانسية حالمة. فضلاً عن تنوّع مستويات الخطاب، وهيمنة الحواريةُ التي غالباً ما تكون ذات أثر ينشّط حيويةَ اللغة والشعور.