أوكرانيا والجغرافيا المفتوحة

قضايا عربية ودولية 2024/02/27
...

علي حسن الفواز

تحولت حرب أوكرانيا إلى صراع مفتوح، عابر للجغرافيا، وداخل في تاريخ الغرب، وفي حساسيته إزاء أيّ انتصار عسكري لروسيا. ما بين الجغرافيا المفتوحة والمُهدَدة، وبين التاريخ المُضلِل تتضخم ظاهرة الحرب لتبدو وكأنها شبحٌ يطارد الجميع، أو قوة غير مرئية تهدف إلى تقويض مركزية الغرب، لأنّ تصاعد فرص الانتصار العسكري سيفتح الأبواب على انتصارات آيديولوجية وسياسية واقتصادية، وهذا ما يجعل الغرب في حالةٍ من الهستيريا، ومن الرعب الذي لم يعش مثيله منذ أن انتهت "الحرب الباردة" عام 1990.
تصورات الغرب عن مفهوم الانتصار ظلت مرتبطة بمنظوره لـ"انتصار المركزية الغربية"، وهذا ما أعطى لمتغيرات الحرب الروسية الأوكرانية أبعادا، ترتبط بما يجري من عدوان صهيوني متوحش على غزة، وعلى نحوٍ يجعل من سياسات الولايات المتحدة وأوروبا تعاني من أزمة أخلاقية، وأزمة تحدي الرأي العام العالمي، لأن فكرتها عن الحرب تظل محصورة بتكريس قواعد هيمنة تلك المركزية الحاكمة، ولمعطياتها على مستوى الأمن والاقتصاد والسياسة، وكذلك على مستوى حماية الأنموذج الذي تصنعه من الإخفاق والفشل، وهذا ما يستفزها إلى إنشاء مزيدٍ من أسواق السلاح المفتوحة، وإلى صناعة مزيدٍ من منصات الخطاب الآيديولوجي والإعلامي والدعائي، وأحسب أن الشتائم التي وجهها الرئيس الأميركي بايدن مؤخرا إلى الرئيس الروسي بوتين تعكس تلك الأزمة، وتضخم رهابها النفسي، مثلما تؤكد على طبيعة الفخاخ التي دخلتها تلك الحرب، والإصرار على جعلها حربا يرتهن إليها  توصيف مستقبل النظام "العالمي"، ولما يحدث في الجغرافيا المفتوحة، لاسيما بعد المعطيات العسكرية التي حققها الجيش الروسي في عدد من مدن شرق أوكرانيا.
تحويل أوكرانيا إلى حقلٍ للرعب سيكون رهانا على تغوّل أشباح الحرب، وعلى تعطيل أي إرادة للبحث عن حلول عقلانية تعيد توصيف الوقائع وصور المنتصر والمهزوم، وبما يحفظ الجغرافيا من الانتهاك، ويجعل التاريخ مخبوءا تحت ما تصنعه سرديات الأجهزة السياسية والمخابراتية، لأن الإصرار على لعبة الحرب يعني الإصرار على إمكانية توريط العالم في صراعات مفتوحة رقمية وسبرانية ونووية، وإدخاله في سباق للتسلح والكراهية والعنف والجوع، وهذا ما لا تتحمله شعوب المنطقة، وربما شعوب أخرى تحتاج إلى القمح الأوكراني وإلى منتجات الزراعة والطاقة الروسية، وإلى أن يكون شرق العالم صالحا للتمدد الثقافي وليس التسليحي، ولتنامي اقتصادات باردة تُعنى بالسياحة والرياضة والنوم في العسل.