كيف يخلق المثقفون العراقيون أبطالهم؟

ثقافة 2024/03/27
...

صفاء ذياب



 كيف يمكن لنا أن نعيد أسطرة شخصيات ما زالت شاخصة بيننا، نحن نعيش في بيئة غير منطقيَّة، وربّما متخيّلة لأنها لا تستند إلى أرض الواقع، خلقها العقل الجمعي وليس الواقع. فمنذ عصور ما قبل الإسلام، وصولاً إلى العصر الإسلامي وما بعده، أسطر العقل الجمعي شخصيات كثيرة، وألبسها ثياباً ليس لها، ومنهم الملك سيف بن ذي يزن، ومن ثمَّ عنترة بن شدّاد وفي ما بعد ذات الهمة وفيروز شاه، وغيرهم الكثير، وإذا قارنّا صفاتهم وحياتهم في السيرة الشعبية التي كتبها العقل الجمعي، نجدها تختلف تماماً عن الوقائع التاريخية التي دوّنها المؤرّخون.
وهكذا انطلق رولان بارت في العمل على أسطرة ما يراه يومياً في الشارع والثقافة الفرنسية، فكتب عن أسطورة شركة كوداك والمصارعة ومارلين مونرو وغيرها، فيقول في مقدّمته لكتابه (أسطوريات): كان منطلق هذا التفكير في الغالب الأعم الشعور بنفاد الصبر أمام هذا (الطبيعي) الذي تلبسه الصحف والفن والحس المشترك باستمرار لباساً مضحكاً من الواقع، واقعاً حتّى يكون ذاك الذي نعيش فيه، لم يكن أقل تاريخية في شيء..... بدت لي فكرة الأسطورة منذ البداية شارحة لهذه البديهيات الكاذبة، فاستعملت في ذلك الوقت الكلمة في معناها التقليدي. لكنّي كنت قد اقتنعت بعدُ بشيء حاولت بعد ذلك أن أستخلص منه جميع الاستنتاجات: إنَّ الأسطورة لغة.

ويبحث عبد الحميد يونس؛ أستاذ الأدب الشعبي المصري، في كيفية صناعة البطل الشعبي، بقوله: وقد شاء الوجدان الجمعي لبطله الملحمي أن يحقّق ذاته القومية والفردية، من خلال ما هو ذاتي وما هو موضوعي، فإذا انتهى البطل من تحقيق ذاته الفردية ثمَّ الاجتماعية شرع يقود الجماعة نفسها لتحقيق ذاتها القومية والدينية والإنسانية تحقيقاً بطولياً [ملحمياً]... ليس لأنَّ تحقيق الذات الفردية أو الاجتماعية هو البداية المنطقية لتحقيق الذوات الأخرى، فحسب، بل لأنَّ تحقيق الذات الفردية أو الاجتماعية يصطدم هنا بما يعرف بقيم الثقافة المضادة- على مستوى المجتمع-.

وهكذا يبدأ الشارع الثقافي أو غير الثقافي بخلق شخصيات يدفع بها بطرائق مختلفة، حتَّى تتمكّن هذه الشخصية من أن تبني خطوطاً حمراً لا أحد يستطيع المساس بها، وهو ما يحدث اليوم في ثقافتنا العراقية، فهناك شخصيات تمَّ النفخ فيها حتَّى أصبحت طوطماً لا يمكن أن يتحدّث أيُّ شخص عنه، أو انتقاده حتى وإن كان النقد منطقياً..

فمجرّد أن يشتهر كاتب ما، ويأخذ جوائز حتَّى وإن كانت لأسباب غير ثقافية، يدخل ضمن هذا الحصن، فكيف إذا تسنّم شاعر أو روائي أو فنّان منصباً في الدولة، حينها سيطلق عليه؛ كما فعلها أحدهم: نبي الثقافة العراقية!!

وهكذا نحن نصنع أساطيرنا، وننفخ فيها، لأسباب كثيرة، أغلبها انتفاعية، لكنَّ هذه الشخصيات بالتالي ستصدّق ما يقال حولها، لاسيّما في وسائل التواصل الاجتماعي، فتبدأ ببناء قلاعها أمام أيّ منتقد لها، على الرغم من أنّها يفترض أن تكون شخصية عامة، قابلة للنقد والتحليل.

الأهم من هذا ما الذي يدفع المثقفين العراقيين لأسطرة شخصيات ما، حتّى وصل بهم الحال بتأليه شخصيات ثقافية وسياسية ودينية لا أحد يستطيع المساس بها، وامتداحها بشكل مبالغ فيه بأيِّ عمل تقوم به؟

 تبريرات وقائيّة

يشير القاص والروائي حنون مجيد إلى أنَّه لم تكن سطوة الشخصية الثقافية والسياسية والدينية، أمراً جديداً على السلوك العام للمجتمع العراقي خاصةً، والعربي عامة. إنما تجد ذلك منبثَّاً في السياقات كافة، الاجتماعية منها تحديداً وبأدقِّ تفصيلاتها.

ينطبق هذا على المثقف الذي ينبغي أن يمثّل الشريحة الفاعلة والواعية في المجتمع، لأسباب كثيرة منها الوعي القاصر بأهمّية الثقافة ودور المثقف الريادي في عملية البناء الوطني والاجتماعي، وغياب المنظمات الثقافية التي يشكّل وجودها حماية للمثقف وتوكيداً على اللحمة الثقافية التي تكفل له رفع صوته للمطالبة ليس بحقوقه وحده، إنَّما يتعدّى ذلك إلى حقوق غيره من طبقات وشرائح أخرى.

مضيفاً: لقد تعرّض المجتمع العراقي؛ وشريحة المثقفين صلبه، إلى صنوف من القمع والتهوين والإغفال والمعارضة ما أدّى إلى حصول فراغ هائل بينه ورأس السلطة التي تمثّل في كلِّ زمان ومكان المال والسلاح. ولمَّا كان المثقف الأكثر إحساساً بهذا الحيف أشهر قلمه فلم يجد غير السيف والقمع والإنكار والتنكيل.. مع هذه الممارسات المستمرّة منذ نشوء الدولة العراقية أول العشرينيات كان الضرب على الهام يتزايد ويشتدُّ، حتَّى جاءت فترة كسر الأقلام. لاسيَّما في الثمانينيات.

إنَّ المسافة الفاصلة بين الحاكم والمحكوم ولاسيّما إذا كانت بعيدة تتخلّلها قسوة الحاكم، غالباً ما تولّد في نفس المحكوم الحاجة إلى حماية الحاكم من الحاكم نفسه.. فتبدأ النفس الضعيفة ترقص وتغنّي وتؤسطر، مع كثير من تبريرات وقائية منطقية وغير منطقية. ينطبق هذا على الأفراد جميعاً مثقفين وغير مثقفين.

 ردّة ثقافية

ويعتقد الروائي والمترجم عبد الهادي سعدون أنَّها ظاهرة عامة ولها جذور في الثقافات كلّها، وقد تصل إلى أبعد حالاتها أو تقتصر على جزء منها ولفترات محدّدة، المعضلة عندما تكون مستشرية وفي تعاظم وتمدّد لا حدَّ له كما يحصل في مجتمعاتنا المشرقية في الفترات الأخيرة. وهي ما تنشأ عادة من فراغ هائل في الحياة المعاصرة نتيجة لأحداث جسام أو لكوارث أو تغييرات هائلة في بنية المجتمع، ما يجعل الآخر يلجأ لاسترداد تلك العلامات الممكنة لأسطرتها في أحيان وتأليهها في أحيان أخرى على حساب الواقع والحقيقة وبعيداً عن الطبيعة الأصلية لتلك الشخصية الثقافية أو السياسية أو الدينية، ما يجعل منها في كتاباته وخياله وتصوّره رمزاً لا يُضاهى ولا يُنتقد أو يُمس بأيِّ شكل من الأشكال. الطامّة الكبرى تكون في مساهمة الذات المثقّفة بهذا الصخب المهول، لأنَّ ذلك معناه الإطاحة بجدار مهم وكبير وحافظ للمجتمع والمساهم بتطويره ألا هي الواجهة الثقافية بصورها المحتملة كلّها من كتّاب وفنّانين وباحثين ومؤرّخين وغيرهم. هذه (الردّة) قد تسهم في خلق تشوّه متعمّد في التفكير، وبالتالي في تلمّس الحقيقة من عدمها، وهذا بتصوّري له مخاطر لا يمكن حلّها على المستوى القريب. ويؤكّد سعدون أنَّ أيَّ مبالغة في تصوير الشخصية وأسطرتها ستؤدّي إلى تخبّط وتصوّرات ونزاعات واحتداد و(طائفية ثقافية) لا تقل خطراً عن أيِّ تطرّف ديني أو سياسي. أحياناً ننظر للمثقّف بوصفه المنقذ وصاحب الكلمة الحق، وننسى أنَّه يقوم بدوره في خلق مجتمعاته وأهوائها ومنافعها ونسخة عنها بتركيباتها وصورها المتعددة كلّها.

 متخيّلات الأسطرة

ويحيل الكاتب كامل الدليمي الموضوع إلى الحضارات العراقية القديمة التي كانت تعمل على أسطرة شخصيات بعينها مقابل إهمال شخصيات أخرى، قائلاً إنَّ الأمر مرتبط بالعمق الحضاري لبلاد وادي الرافدين باعتبار أنَّ الحضارة السومرية أول منجز بشري أفاد منه سكان الأرض.

ويضيف: رافق هذه الحضارة بحث دائم عن أسطرة الظواهر ووجود قوّة محرّكة للطبيعة فبدأ البحث عن الرمز الأسطوري عبر العصور والطوطمية أولى طلائع ذلك الإيمان كتفسير معادل للظواهر. من هنا لا غرابة في نزوع العقل الجمعي للانحياز للبطل وإن كان من نسج الخيال لذا نتلمّس في تركيبة العقل الرافديني متبنّيات تنتمي للعصر الطوطمي منها تلك التمائم التي ما زالت واسعة الانتشار عند الناس منها التعويذة والحرز وغير ذلك ممَّا يعتقد أنَّه ذو أثر في الحياة... وإذا كان الشائع بهذا المستوى، فكيف بأسطرة الأفراد واعتبارهم الخطوط الحمر التي لا أحد يستطيع المساس بها دينياً وثقافياً وغير ذلك.

ويبيّن الدليمي أنَّه منذ بداية حضارة هذه البلاد إلى يومنا هذا يحتلُّ بعض المنجزين من الأفراد قدسيّة وليس من حقِّ أحد التوجّه بالنقد لهم مع العلم هم بشر وليسوا آلهة.

وفي مجال تاريخنا الثقافي والأدبي على وجه التحديد ليس من حقّك إظهار مثالب المتنبّي أو الجواهري أو... وتلك سمة المؤمنين بالأسطورة، مع العلم أنَّها مجرّد متخيّل لا ارتباط له بالواقع.

هكذا يجد الدليمي الأمر، وهو غاية في التعقيد وليس من اليسير تخفيف وقعه ما لم تتضافر الجهود لوضع قواعد معيارية للعملية، ولا يمكن ذلك وحتَّى المحسوب على طبقة المثقفين كلّه إيمان بالرمز الأسطوري وهو ما يزيد الطين بلّة، وعلى ذلك تبقى الحال على ما هي عليها ما لم تُبذل جهود فكرية لإعادة تشكيل منطلقات التفكير.

الحاجة إلى الأبطال

ويذهب الشاعر والصحفي قاسم السنجري إلى أنَّ أسطرة الشخصيات ظاهرة مُعقّدة لها جذور تاريخية ونفسية واجتماعية، وأسباب ظهور نزعة الأسطرة لدى المجتمع ناجمة عن فراغ في الوعي الجمعي للمجتمع الذي يشعر بالحاجة الملحّة إلى وجود شخصيّة البطل، أو المخلّص القادر على تغيير الأوضاع.

وهذا الأمر يتوجّب على المثقفين العراقيين أن يُواجهوا هذه الظاهرة بوعي ومسؤولية، وأن يُسهموا في نشر ثقافة النقد والتفكير العقلاني.

فهذه الظاهرة منطلقة من جذور الحكم الاستبدادي الذي عانى العراق منه لفترات طويلة، ما أدّى إلى قلّة فرص المشاركة السياسية للمواطنين. فكان الإعجاب بشخصيات ثقافية وسياسية ودينية يُمثّل تعبيراً عن رغبة الناس في الحرّية والتغيير، لذا يشيع بين الناس ظهور صورة البطل على وجه القمر، أو من خلال تشكيلات الغيوم، وهي عبارة عن أوهام وتخيّلات ينتجها العقل المتخم بالأساطير والتفكير بالمخلّص.

إنَّ الحاجة إلى الأبطال تدفع الناس للبحث عن شخصيات يُمكنهم الاقتداء بها، وتحقيق أحلامهم وطموحاتهم من خلالها. فأسطرة الشخصيات تُساعد على سدّ هذه الفجوة، فضلاً عن الخوف من المجهول، إذ يُعاني الكثير من العراقيين من مشاعر القلق والخوف بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية غير المستقرّة. فأسطرة الشخصيات تُساعد على الشعور بالأمان والاطمئنان، فضلاً عن الرغبة في الخلود، يُريد الناس أن يُخلّدوا ذكرهم بعد موتهم. فأسطرة الشخصيات تُساعد على تحقيق هذا الهدف.

 سلطة مضمرة

ويختم الشاعر ميثم الخزرجي حديثنا بقوله: إنّه بطبيعة الحال، ثمّة هاجس نسقي يسوّر المثقف العراقي، بل العربي أيضاً، ليكبّل رؤيته جرّاء تحوّلات الواقع وما يشوبه من تغيّرات سياسية كانت أم اجتماعية، بل حتَّى على المستوى الفكري والمعرفي، فلا يستطيع التنحّي من دونه وأن ادّعى ذلك فهو واهمٌ عظيمٌ، لينعكس ذلك على سلوكه وعلاقته بالآخر وطريقة تقبّله لمجريات العصر، فيما إذا استثنينا أفراداً لهم مشروعهم الطليعي ورؤاهم الثائرة منهمكين في زعزعة السائد ومناقشة الحتمي على وفق معطيات ديالكتيكية تؤهّلهم لأن يكونوا بالصدارة، ولو أمعنّا النظر حيال الدرس الأنثروبولوجي مستقرئين ذلك على بعض من المثقفين الذين ذاع صيتهم لوجدنا ما يشي إلى وجود سلطة مضمرة تسلّل منهم عبر متونهم والشواهد كثيرة على ذلك، وهنا تبيان صنيعة التابو بسماته كلّها؛ الأدبية أو اللاهوتية، وإعطاء نعوت تمكّنه من أن يصبح كائناً فوقياً، ومن ثمَّ خارجاً عن منظومة الكائن البشري.

واقعاً أنَّ المسوّغ الحقيقي لصناعة كاريكتر مذهل أو رمز عجيب هي اعتبارية التكسّب والتسلّق اللتين ينحاز إليها المثقف مع التحفّظ على هذه الصفة ولو استعدنا التاريخ الأدبي على وجه الخصوص لتوقّفنا عند شعراء وكتّاب أسهموا بشكلٍ مباشرٍ بتزييف الحقائق عن طريق التطبيل والتبجيل للزعيم الأوحد مبتعدين عن قضايا أمّتهم متناسين الدور الحقيقي لمشروعهم الجمالي ليكرّسوا اهتمامهم نحو ترسيخ قيم دونية وتأسيس لمتون ماكرة، ولعلّي أصنّف هذا المسار من ضمن الجريمة الثقافية التي جمّلت العنف ببلاغة مستهلكة، لذا من المفترض علينا أن نعيد قراءة المدوّنة الجمالية العربية ثقافياً لاستقراء أنساقها المخبوءة وما تكنهّ من حمولة معلولة.