زيارة السوداني إلى واشنطن ومسار العلاقات العراقيَّة الأميركيَّة

العراق 2024/04/18
...

د.احمد عدنان الميالي *



تعدُّ زيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والوفد المرافق له الى واشنطن منعطفاً مهماً في مسار العلاقات العراقيَّة الأميركيَّة، من خلال السعي الى تفعيل اتفاقيَّة الإطار الاستراتيجي والانتقال من فضاء الأمن الى الفضاءات الأخرى كالطاقة والاقتصاد والتعليم والصحة والاستثمار.
ركز السوداني في زيارته الى واشنطن على الشؤون المحليَّة، ولا سيما على مبادرات الخدمة العامة وخلق فرص العمل، وتشمل الزيارة العمل على جذب الشركات الأميركيَّة إلى قطاعي البنية التحتيَّة والخدمات والنظام المصرفي في العراق.

وعلى الرغم من أنَّ هذه الزيارة لم تركز بشكلٍ كبيرٍ على مجال الأمن والدفاع إلا أنها تبحث في مسألة متابعة الجهود لإعادة النظر في وجود قوات التحالف الدولي في العراق ومحاول فصل الساحة العراقيَّة عن الساحة السوريَّة، ضمن مهام التحالف لكنْ لم تكن هذه المباحثات ضمن الأجندة المباشرة للسوداني إنما ستوكل للجنة الثنائيَّة المشكلة لهذا الغرض، ويبدو أنَّ السوداني يسعى إلى تحقيق التوازن بين مصالح الأطراف الإقليميَّة والدوليَّة في هذا الجانب من حيث التناغم بشكل إيجابي إزاء التحديات الأمنيَّة للعراق وللأطراف الأخرى، ولهذا يسعى السوداني الى تقليص الوجود العسكري الأميركي تدريجياً وليس فجأة، وبذات الوقت، استطاع أنْ يواجه ضغوطاً متزايدة من فصائل المقاومة الرافضة للوجود الأميركي بهذا الخصوص، فضلاً عن عدم الانحياز لها في مسألة التمويل والدعم رغم أنَّها قوى أساسيَّة داخل تحالفه السياسي المعروف بالإطار التنسيقي.

تأتي هذه الزيارة أيضاً كإثباتٍ للجمهور الأميركي المتشكك أنَّ العراق شريكٌ مهمٌ، ليس في مجال الأمن بل في المجالات كافة.

وهذا واضحٌ من خلال تأكيده على تعاون حكومته مع شركات الطاقة العالميَّة (مثل توتال، وجنرال إلكتريك) وشبكات الطاقة الكهربائيَّة العالميَّة الأخرى، وسيتم التركيز بشكلٍ خاصٍ على تعاونه مع مبادرات وزارة الخزانة الأميركيَّة والاحتياطي الفيدرالي التي تهدف إلى إصلاح القطاع المالي في العراق بشكلٍ يعمل على تقوية ودعم الاقتصاد العراقي.

أما أجندة الرئيس بايدن والإدارة الأميركيَّة فهي تتمثل بتعزيز الشراكة مع العراق، من خلال التأكيد على أنَّ المصالح الأميركيَّة تتحقق بشكلٍ جيدٍ من خلال الاستمرار في الاستثمار في العراق من جهة ودعم القوات الأمنيَّة العراقيَّة بشكلٍ محترفٍ وقادرٍ من جهة أخرى ليتسنى لقوات التحالف الدولي الانسحاب التدريجي من العراق.

إنَّ هذا الاستثمار يتطلب تأكيداً والتزاماً من حكومة السوداني بأنَّ الدعم الأميركي الاستشاري والتدريبي والساند والمعدات اللازمة ستذهب للقوات العراقيَّة الرسميَّة حصراً.

إنَّ ما يدفع الإدارة الأميركيَّة للاستمرار بهذا النهج، اعتقادها أنَّ العراق لديه خطة عمل لتسريع الاكتفاء الذاتي من الطاقة، وإصلاح قطاعه المصرفي من خلال إقامة المزيد من علاقات المراسلة مع البنوك الأجنبيَّة والعالميَّة واتخاذ خطوات لمواجهة المجموعات المسلحة التي يمكن أنْ تقوضَ هذه الجهود والتي أبدت مؤخراً دعمها للحكومة العراقيَّة في هذا الجانب.

إنَّ هذا التوجه الأميركي الداعم لحكومة السوداني رغم وجود تحديات ومطبات عديدة ناجمٌ من وجود تحديات بنيويَّة إقليميَّة ودوليَّة تتعلق بوجود إيران وروسيا والصين والمنافسة معها، وهذا لن يتمَّ حله بين عشيَّة وضحاها، فجزءٌ من تحقيق المصالح الأميركيَّة في منطقة الشرق الأوسط تقتضي أنْ تكون هنالك مشاركة مستمرة ومطردة لدمج العراق مع بقيَّة دول الشرق الأوسط ضمن الحلفاء والشركاء للولايات المتحدة وهذا أمرٌ ضروريٌّ لتعزيز منطقة أكثر استقراراً وأماناً ومرونة بالنسبة للرؤية الأميركيَّة.

أخيراً يمكن القول إنَّ هذه الزيارة ممكن أنْ تحول مسار العلاقات العراقيَّة الأميركيَّة نحو مرحلة تالية مختلفة باعتبار الطرفين شريكين يدخلان مرحلة جديدة من العلاقات الثنائيَّة، وإن كلا الطرفين يستطيعان تعميق الشراكة الاستراتيجيَّة المبنيَّة على المجالات والتدفقات والمصلح المختلفة. وليس فقط ضمن علاقة أمنيَّة عسكريَّة محضة.

* معاون عميد كليَّة العلوم السياسيَّة/ جامعة بغداد