أنا وتراث الصعيد

الصفحة الاخيرة 2024/04/28
...

محمد غازي الأخرس
حسناً، لطالما سألني الكثيرون عن سر شغفي بالتراث المصري وكثرة استشهادي به ومقارنته بتراث العراق. منذ أن ابتدأت مشواري مع فن المقالة لاحظ قرائي ذلك، لدرجة أنني خصصت فصلاً من أحد كتبي للمقارنة بين تراث النيل وتراث الرافدين، واخترت الشاعرين مظفر النواب وعبد الرحمن الأبنودي موضوعاً للدراسة. قبل ذلك، كنت أشرت في مقالة قديمة إلى أنني أول ما عرفت الأبنودي، إنما عرفته عبر حوار أجري معه في إذاعة (صوت العرب) عام 1985. كنت حينئذ مقاتلاً في الجيش الشعبي، سلواي الوحيدة هو الراديو، أقلبه في الموضع أو قبالة هور الحويزة. في ذلك الحوار، سُأل الأبنودي عن رأيه بالشعراء الشعبيين غير المصريين، فذكر مظفر النواب معجباً به، دهشت ساعتها وقلت لنفسي متعحباً؛ الشعر الشعبي إذن قد يصل إلى غير المستهدفين المحليين به، فيعجب المصري بالعراقي أو السوري بالمصري وهلم جرا. 

المهم أن شغفي بالتراث المصري له أسباب موضوعية أيضاً، وقد يعود إلى ما يسمى القوة الناعمة التي تميز بعض الثقافات عن غيرها، ومؤكد أن مصر تتمتع بقوة ناعمة هائلة أثرت بها على الثقافات العربية، وتسربت هذه القوة عن طريق السينما والتلفزيون والإذاعة، وساهم في تسيدها يسر اللهجة المصرية ووقعها اللطيف على الأذن. 

بالعودة إلى شغفي بالمتخيل الشعبي، فإنه جعلني أنسحب إلى تراثين متعمقاً فيهما، وهما تراث العراق، وتراث مصر، وحاولت الاستزادة من الأخير عن أي طريق يتوفر لي، من ذلك السينما والتلفزيون والمجلات والكتب. لن أنسى مثلا مدى دهشتي من دراسة قرأتها لعبد الحميد حواس في مجلة (التراث الشعبي)، كانت تلك الدراسة تدور عن طقوس حلاقة العرسان في الريف، وبتأثير منها، هرعت لأبحث عن شبيهات لها هنا وهناك. أما في السينما والتلفزيون، فقد وجدتني أميل للأعمال التي تتناول الصعيد، لا سيما التي تبرز بعض الطقوس والأعراف، كما هو الحال في فيلم (شيء من الخوف)، أو ( الحرام) أو رائعة خيري بشارة (الطوق والأسورة). وفي التسعينيات أثارتني عوالم مسلسل (خالتي صفية والدير)، وحديثاً أحببت (شيخ العرب همام) و(يونس ولد فضة) للكاتب عبد الرحيم كمال.  على أن كل هذا لا يعادل ما بات يقدمه لي التيك توك مؤخراً من نتف صعيدية تجعلني أتطوح طرباً لها. عن طريق هذا التيك توك العجيب صرت أرى يومياً مقاطع من موالد الذكر الصعيدية الجميلة، حيث ينود المريدون بأجسادهم على إيقاع مداحين من أمثال مصطفى جمال الأسيوطي أو ياسين التهامي، وعبد المجيد 

خطر في ذهني هذا وأنا أستمتع بأغنية من ذاكرة الصعيد يؤديها الريس حفني أحمد حسن  يقول مذهبها: تعمل أيه.. ايه تعمل ايه..  يابو بخت مايل، تعمل أيه،  وفي المقطع الأول يقول: دمعك نزل عل الخد مالك.. ايه اللي تعبك وخد مالك .. انا نفسي أعمل خدمه الك.. يابو بخت مايل .. تعمل ايه تعمل ايه. واضح هنا أن المقطع  يقوم على الجناس اللغوي، مثله مثل الأبوذيه والعتابه والميمر والمعنه في التراث العراق، ويبدو لي أن الثيمة التي يتغنى بها الريس حفني قريبة القرب كله من الثيم التي يمتلأ بها المتخيل الشعبي عندنا، فـ"البخت المايل" يماثله في العراق "الحظ الأكشر" الذي لطالما لمحناه في الشعر والموروث: عيش ابخت وموت ابخت.. مكرود يالمالك بخت.. تركض وتتعب عل الولف.. تاليها تكعد عل التخت. 

خلاصة الأمر، أنا مغرم بالتراثين، العراقي والمصري، ولعلي سأترجم هذا الشغف بكتاب ذات يوم.