الوعي التراثي بالخطاب الموازي من الاعتباطيَّة إلى القصديَّة

ثقافة 2024/05/08
...

 د. صباح التميمي

صحيحٌ أنَّ الخطاب الموازي (العتبات/ النص الموازي) يُحيل على تلك النصوص المضغوطة المحيطة بمتون الأعمال الأدبية من عنوانات، وتصديرات وخطابات تقديمية، وخطابات هامش، وإهداءات، وغير ذلك مما يقع في دائرة ما أُسمّيه بـ(الموازاة)، تلك الفكرة التي حاول فيها (جيرار جينيت) التحوّل بالشعرية من دائرة بنيوية مغلقة تكتفي بقراءة قوانين الخطاب الأدبي دون الخروج عن أطر بنيته، إلى أخرى منفتحة تقرأ قوانين الخطاب الموازي لبنية ذلك الخطاب، في محاولة للوصول إلى فهم شمولي للنص ومحيطه، وتوجيه النظر نحو مناطق الهامشي والمتروك والمنعزل؛ لاستفزازها، والكشف عن خطَرِها، ودورها في إنتاج الدلالة.

وصحيح كذلك أنَّ هذا المشروع وصل إلينا معلّباً بأكياس التثاقف مع ما جاءنا من منظورات الآخر الغربي الجاهزة، إلا أنَّ الفرق شاسعٌ بين (التجلّي المفهومي)، والقصد المصطلحي، وهذا ما سنحاول بلورته هنا، فمساحة التجلّي شاسعة تتمتّع بحرية حضورية ونحن فيها لا نبحث عن مصطلح بل عن مفهوم وتصوّر عام للفكرة؛ لذا نجد كثيراً من المقاربات العربية تحاول تأصيل مصطلحات حداثية عبر تلمّس تجلياتها في المتن التراثي العربي، لكنها في الغالب- للأسف- تسقط في إشكال (التقويل) الذي يُرغِم (النص) ويُقوّله ما لم يقله، ويذهب بعيداً في التأويل؛ ليُحاجج ويقول بوجود الوعي بهذا المصطلح الحداثي أو ذاك في العقل العربي التراثي، ما خلق لنا مأزقاً أثقلَ الخطاب النقدي العربي بإشكاليات أخرى.
هذا لا يعني أبداً أننا نحاول تشكيل خطاب ضد تجاه هذه الممارسة، بل نحن نُشير إلى تلك التي تقع في مبالغات منها، فالوعي التراثي له مُمكّناته ومرجعياته وطبيعته وأعرافه ودوائر تشكيله الفكرية الخاصة، ولا ينبغي للقراءة المعاصرة أن تقاربه بمنظومتها المصطلحية والنظرية والفكرية التي تتبناها الآن، بل عليها أن تخلق طقساً خاصاً- لحظة مقاربة التراث- يحترم أعرافه وأدبياته ولا يُصادر مناخات تخلُّقِه وتكوينه التراثية، وهذا ما يقول به دارسون كُثر.
بهذا الحذر ينبغي أن نفتح حواراتنا مع تراثنا، بل قد لا نبالغ إذا قلنا إنَّ علينا أن نتعايش مع ذلك العقل، ونكتشف زوايا تفكيره أولاً، لنحدّد مسار التعامل معه، ونثير الأسئلة التي تُطفئ هوس المعرفة المتشكّل لدينا ونحن نراقبه في مكمنِه هناك!
الأسئلة التي تُثار هنا: هل كان العقل النقدي التراثي على وعي بـما أسميناه بفكرة (الموازاة)؟ وإذا كان كذلك، فمتى بدأ هذا الوعي بالتشكُّل؟ وهل رسم خطّاً بيانيّاً ممتداً طيلة حقبِه- أعني بعد البدايات- أم أنّه تعرّض لمطبّاتٍ غيّرت من مساره جرّاء ما طرّأ عليه من تحوّلات وتقلّبات فكرية وفنيّة ذهبت به إلى مناطق أبعد من تلك التي بدأ منها، وانزاحت به عن تحقيق وجوده الموازي الخاص إلى ضفافٍ أخرى تغلّبت عليها الصنعة والتكلّف؟
حاولت بعض المقاربات المعاصرة التي اعتنت بهذه الزاوية من التراث أن تجد إجابات لتساؤل (البدايات) لظهور فكرة (الموازاة) بوعي ينظر إلى العنوان (عنوان الكتب خاصة) بوصفه خطاباً موازيّاً مهمّاً لا هامشيّاً يوازي في حضوره متنه، ويحتفظ ببعض أسراره، ويؤجّل بعض معانيه، ويحمل صبغةً تُقرّبه من محاولة مقصودة لتشكيل (شعرية الموازاة) التي تخلق خطابات سيميائية مُضلِّلَة تتلاعب بالمعنى وتُضمره؛ لتُثير الأسئلة المُنتِجة في ذهن المتلقّي.
يقول الدكتور يوسف الإدريسي في كتابه (عتبات النص في التراث العربي والخطاب النقدي المعاصر) : ((عرفت عناوين النصوص الأدبية القديمة مياسيم دقيقة واختلافات منهجية طبعت تراكيبها وشكّلت بداخلها بنية دلالية عميقة استقت خيطها الناظم من واقعها الثقافي والاجتماعي، فكانت النصوص العربية الأولى- خاصة أشعار الجاهليين والإسلاميين- تتخذ من مطالعها، وهي مكوّن من مكوناتها النصيّة، عناوين تُعرف بها، فنقول قصيدة “لخولة أطلال” لطرفة بن العبد (564م)، أو “بانت سعاد” لكعب بن زهير (26ه)، ويبدو أنَّ ذلك قد انعكس على البنية التركيبية لعناوين المؤلّفات الأولى، التي اتخذت من أسماء مؤلفيها عناوين لها، كما هو الشأن بالنسبة إلى المختارات الشعرية التي صنعها المفضّل الضبي (168ه) والأصمعي (216ه)، والتي اشتهرت باسم المفضليات والأصمعيات، وهو الأمر نفسه الذي يلاحظ على عناوين مصنّفات أخرى تنتمي إلى حقول معرفية أخرى)).
ثمّ يقول في محاولة منه لتتبّع بدايات تكوُّن فكرة (الموازاة) في التراث: ((ومع تطوّر أساليب الكتابة ونُضج أدبياتها في الثقافة العربية- بفعل التحولات التي نتجت عن شيوع عملية التدوين وتنامي حركة التأليف- أصبح الاهتمام بالعنوان ينصب أكثر على المجال المعرفي للكتاب... فباستقراء عناوين الكتب العربية القديمة يلاحظ أنَّ الإسناد الذي كان جزءاً من العنونة سيتراجع لصالح بنيات تركيبية جديدة تقوم على تحديد موضوع الكتاب والكشف عن مجاله المعرفي، ويبدو أنَّ هذا التحوّل قد بدأ في الهيمنة- بفعل تحولات ثقافية وفكرية متعددة- منذ القرن الثالث للهجرة، فأصبحت العناوين منذئذ تتخذ تمظهرات متعددة، فتتألف من كلمة أو كلمتين أو ثلاث قبل أن تتطوّر بشكل مغاير لاحقاً فيدخلها التصنّع، وتغرق في توظيف المحسّنات البديعية من جناس وسجع وغيرهما)).
هذه التحوّلات نفسها أصابت عنونة (مدوّنات شروح الشعر القديم) مستهدفةً بنيتها التركيبية ومجالات تعالقها مع المتون، فحوَّلَتْ مسارات تلك التعالقات من (الاعتباطية) البريئة، إلى (القصدية) المُوَجَّهَة، لا سيما في تلك الشروح التي دخلت باب النقد الأدبي من ممارستِها قراءاتٍ تفسيرية، تأويلية في أحيان، تُقارب النص الشعري بحثاً عن قصدياته السطحية، أو معانيه المخبوءة في مستوياته العميقة.
إننا نريد بـ(الاعتباطية) هنا، تلك التي تكون العلاقة فيها بين العنوان والمتن عشوائية غير معلّلة ولا مُبرّرة، بل غير مقصودة لذاتِها، ولا يؤدّي العنوان فيها سوى وظيفة التسمية والتعيين…أي أنَّ العنوان لا همَّ له سوى أنّه يدلُّ على المتن دلالةً مباشرةً، أما (القصدية) فنعني بها العلاقة غير الاعتباطية التي تحمل تعليلاً نقدياً، ولها مبرّر مقصود، بمعنى أنَّ العنوان فيها يحقّقُ وظيفةً سيميائية مهمّةً، فضلاً عن وظيفة التسمية والتعيين، وفيها ستكون بنية العنوان منقسمة على سطحٍ ظاهر، وعمق خفي وهو الجزء الذي يُضمر خطورتها.
إنّ هذه القراءات الواصفة التفسيرية- الشروح- بدأت بوصفها ظاهرةً، في القرن الرابع الهجري على يد ابن جنّي (ت 392هـ) في شرحه لديوان المتنبي المسمى بـ(الفَسْر)، وهو- بلا شك- شيخ الشرّاح المُحدَثين، وصاحب المتنبي وراوية شعره، ويُعدّ شرحه هذا من أوائل شروح المُحدَثِين، أمّا مَن سبقوه من شرّاح الدواوين مثل السكري وابن حبيب فيسمون بالشرّاح القدماء، بحسب محمد زغلول سلام، وقيل إنَّ الأخفش هو أوّل من فسّر الشعر تحت كلِّ بيت، وما كان الناس يعرفون ذلك قبله.
ويُمثّل ابن جنّي- عندنا- أنموذجاً من نماذج نمط العنونة الأول، الذي يتعالق مع متنه تعالقاً اعتباطيّاً، وتتعمّق هذه الفكرة لدينا، حين نعلم أنَّ عنوان (الفَسْر) الذي يحتل منطقة العتبة الأولى في غلاف شرح ابن جنّي المُحقَّق لم يقصده ابن جنّي، كما صرّح محقّقه الدكتور رضا رجب، حين أشار إلى أنَّ ابن جنّي لم ينصّ صراحةً على عنوان (الفَسْر) لا في مقدّمة شرحه، ولا في الإحالات التي عوّدنا فيها أن يحيلنا على عنوانات كتبه وهو يعالج قضية ما!
على أنَّ بعض المصادر التي ترجمت له ذكرت بأنّه أسماه بهذا الاسم، ويبدو أنهم نظروا لمقدمة الكتاب حين زعموا هذا الزعم، فهو يذكر (الفَسْر) بقوله: ((سألتَ، أدامَ اللهُ تسديدَكَ، وأحسنَ من كلِّ عارفةٍ مزيدَكَ، أن أصنعَ لكَ شعرَ أبي الطيّبِ أحمدِ بنَ الحسينِ المُتنبّي بِـ(فَسْرِ) معانيه، وإيرادِ الأشباه فيه وإيضاح عويصِ إعرابه...)) لكنه لم يُصرّح بأنّه عنوانٌ لكتابه، ولعلّ الذي حداه على عدم التصريح، هو أنَّ هذا العرف، أعني عُرف (التسمية والتصريح بالعنوان) لم يكن شائعاً آنئذ، ولكن الذي كان شائعاً آنذاك، أن يُسمّي كتابه في كتاب آخر له، كما فعل ابن جنّي حين ذكر عنوان كتابه (الخصائص) في (سر صناعة الإعراب) وأحال في (الخصائص) على (سر الصناعة) على الرغم من أنّه لم يُصرّح، وكما فعل ابن طباطبا (ت 322ه) أيضاً، حين أحالنا في كتابه (عيار الشعر) على كتاب له أسماه (تهذيب الطبع)، ويبدو أنَّ خطاب المقدمات التفصيلي في المدوّنات التراثية، لم يكن قد نضُج بعد، وأنَّ المقدمة التي يُفصّل فيها المصنّف أبعاد كتابه، ويُشير إلى عنوان الكتاب صراحةً مسبوقاً بقوله: (وقد سميته بـكذا أو عنونته بكذا) كما نجد في مقدمات مدوّنات نهايات العصر العباسي والعصر الوسيط، لم تكن قد ظهرت بعد، ومهما يكن من أمر، فإنَّ الاعتباطيةَ في عنونة الكتاب- أعني الفَسْر- واضحة جداً في صدر مقدمة ابن جنّي التي مرّت بنا، والمقدمة- كما في أعراف النقد الحديث- خطاب مواز هو بمثابة (عقد قراءة) يُبرمه المؤلّف مع القارئ؛ ليمنحه فرصة الدخول المُنتِج، ولها- في هذه الأعراف- وظائف متعددة، منها وظـيـفـة الإخـبــار، ووظـيـفـة التوجـيه، ووظـيـفـة الكـشـف، ووظيفة الاستدراج، وغير ذلك من الوظائف التي تطوّرت مع تحولات الخطاب التقديمي في التراث، من الاعتباط إلى القصد.
وإذا تقدمنا قليلاً في التراث لفحص تحوّلات عنونة الشروح، تستوقفنا تجربة المعرّي في ذلك بوصفها علامة فارقة في هذا المجال، ونُدرك- مباشرة- مدى النضج والوعي المفرط الذي كان عليه هذا الرجل، وهو يُسمّي شروحه لأشهر دواوين الشعراء القدماء بهذه الأسماء، فقد ((اختصر ديوانَ أبي تمّام وشرحَه وسمّاه (ذكرى حبيب)- كما يقول ابن خلكان في وفياته- وديوانَ البُحتري وسمّاه (عبث الوليد)، وديوانَ المتنبّي وسمّاه (مُعجِز أحمد)، وتكلّم على غريب أشعارهم ومعانيها ومآخذهم، وما أُخِذ عليهم، وتولّى الانتصار لهم والنقد في بعض المواضع عليهم والتوجيه في أماكن لخطئهم)).
وتروي المصادر التراثية ثبتاً لتصانيف أبي العلاء يبدو أنه أملاه بنفسه، ذكر فيه أهم تصانيفه، وذكر فيما ذكر، أسماء شروحه للشعر، ككتاب (اللامع العزيزي)، في شرح غريب شعر أبي الطيّب، عُمِل للأمير عزيز الدولة، وكتاب (ذكرى حبيب)، وكتاب (عبث الوليد)، ولكنّ المعرّي لم يذكر في هذا الثبت (معجز أحمد)، ويمكن أن يُفهم من هذا أن يكون قد ألّفه بعد ذكر ثبت كتبِه كما يُرجّح محقّق (معجز أحمد) الدكتور عبد المجيد دياب.
وعلى الرغم من أنَّ شروح أبي العلاء سابقة الذكر وصلت إلينا خاليةً من المقدّمات على خلاف عادة أبي العلاء في كتبه، إلا أنَّ معظم المصادر تذكر أنّه سمّاها بأسمائها المعنونة بها، فضلاً عن ذكره لها في (ثبت كتبه)، ويُفهم من كلّ هذا أنَّ الرجل كان يمتلك وعياً متفرّداً في أهميّة العنونة وخطورتها ودورها الإغوائي، والذي يتمعّن في عنوانات كتبه الأخرى من غير الشروح ويطّلع على متونها، يجدها مبنيةً على العلاقات القصدية العميقة، لا السطحية الاعتباطية.
وهذا ينطبق على شروحه، فـعنوان (معجز أحمد) يُضمر رأياً نقديّاً مهمّاً في شعر أبي الطيّب، مثلما يدّخر مسكوتاً عنه يشي بتعصّب المعرّي له، فـالجزء الأول من العنوان- أعني (مُعجِز)- علامةٌ سيميائية دالةٌ على الأمر الذي يخرق المعتاد، ويكسر قوانينه الرتيبة، وهو اختيار تمّ بذكاء حاد، أغلق بعده باب الشك والريبة في منزلة المتنبي عند المعري، فإذا كان ديوان أبي الطيّب هو الكتاب الشعري المُعجِز لغيره من الكتب في لحظته الزمانية آنئذ أو حتّى التي قبلها، فهو- بذلك- يقرنه بالكتب السماوية الإعجازية التي مسخت غيرها، وهل بعد هذا الكلام كلامٌ يُقال؟!
وفي (عبث الوليد) نجده يتّبع ستراتيجية العنونة السيميائية نفسها، فيختار كلمة مفتاح خطيرة، تؤشّر رأيه النقدي بتجربة البحتري عامةً، وهي مفردة (عبث)، لتحتلّ موقع المفردة الأولى في العنوان، وتكون هي العمدة التي يُبتَدأ بها، وتأتي الإضافة لتلصق هذا (العبث) بالوليد، الذي يُورّي فيه عن البحتري ولا يذكره صراحةً، وهذه ستراتيجية عنوانيّة تُفعِّل في العنوان وظيفة الإغواء، وتلفت نظر المتلقين كي يدخلوا معه في فعلِ تلقٍّ فضولي، وتساؤلات نهمة، فلماذا (عبث)؟ وهل كان (الوليد) يعبث بالشعر؟ ولماذا (الوليد) وليس (البحتري)؟
تكمن خطورة العنونة في هذا الكتاب بتركيبها الإضافي كلّه، لا بمفردة واحدة، فـمفردة (العبث) تُحيل في معجمات اللغة على (اللعب)، ومفردة (الوليد) توريةٌ ذكيّةٌ تحملُ معنيين: الأوّل قريب يُحيل على اسم الشاعر، وهو أَبُو عِبَادَةِ اَلْوَلِيدْ بْنْ عُبَيْدْ بِنْ يَحْيَى اَلتَّنُوخِي اَلطَّائِيّ المعروف بِالْبُحْتُرِيِّ، والآخر بعيد وهو المطلوب، ويُحيل على (الطفل/ الوليد الصغير)، وبالتمعّن في التعالق الإضافي الحاصل في العنوان بين (العبث) و(الوليد) في معناه العميق، يتبيّن أنَّ المُراد، هو أنَّ (البحتري) كانَ طفلاً يعبث باللغة ويلعب بالشعر بطريقةٍ عبثيّةٍ لا جدوى منها، وكأنّه أضاع وقته بصنيعٍ لا طائلَ تحته، وهذا التأويل يكشف عن فطنة المعرّي، وتفرّده في صناعة العنونة، ووعيه بخطورتها ووظيفتها بصفتها خطابَ موازاةٍ يحتفظُ بأهمية بالغة وفاعلة في إنتاج الدلالة المطلوبة تلميحاً لا تصريحاً، وهو بهذا يقترب جداً من وعي العنونة المعاصر.
لقد أحدث وعي المعري بالموازاة، ووظيفة العنونة، طفرةً نوعيةً في فهم سلوك التسمية التعينية في العقل التراثي، ونقل الممارسة العنوانية من الاعتباطية البريئة إلى القصدية الهادفة التي فيها نسبةُ أدبيةٍ تنزاح بها عن اللغة المعيارية المباشرة، وتحقّق شعريةَ العنونة التي تقلب زاوية النظر تجاه العنونة المُهمّشة والمسكوت عنها في التراث، وتقوّض النظرة القديمة التي ترى في العنوان فضلة هامشية، فهو لم يعد الهامش الذي لا يصل للمركز، والفضلة التي يمكن محوها والاكتفاء بالمتن.
فالمتلقي مع تجربة المعري بات يقرأ في العنونة حكماً نقديّاً مهمّاً، يعملُ على إغوائِه للدخول في فضاءات المتن بحثاً عن مصاديق هذا الحكم، فلماذا معجز أحمد؟ ولماذا عبث الوليد؟ ولماذا ذكرى حبيب؟ هذه اللماذاءات لم تُثَر، لو كانت العنونةُ مباشِرَةً، بل لصارت العنونةُ حَلْقَةً زائدةً في دائرة الإنتاج الموازي في التراث.
إنَّ وعي المعري الموازي صوتٌ منفردٌ في ذاكرة التراث، ولكنّه لم يجد صداه، لانحراف الوعي نحو مناطق مصطنعة احتفلت بالشكل والزخرف على حساب العمق والمعنى، فصرنا نقرأ عنوانات همُّها الأول صناعة خطاب لغوي زخرفي تزويقي، قد يكون خاوي الدلالة، مفرغاً من عمقه الإحالي، كعنوان شرح أبي البقاء العكبري (ت616ه) لديوان المتنبّي المعروف بـ(التبيان في شرح الديوان)، وكتاب (الصبح المُنبي عن حيثية المُتنبّي) للشيخ يوسف البديعي (ت1073ه)، وغير هذه العنوانات التي ظهرت في مرحلة تقهقر الوعي، وضياع الهدف من الكتابة في حقبة ما عُرف بأدب العصر الوسيط أو العصور المتأخّرة.
إنَّ نمط العنونة في تجربة المعرّي، يكشف عن تحولات الوعي بالخطاب الموازي في تلك الحقبة، ولو أنَّ هذا النمط كُتِبَ له الاستمرار والتواصل، لخلق في تراثنا منظومةً عنوانيةً سيميائيةً مهمّة، لكنّ الانحراف الشكلي الذي حصلَ في العصور المتأخرة أدّى إلى دخول العنونة في مرحلة متصنِّعة، فشا فيها البديع بشكلٍّ فجٍّ مزعجٍ، فصارت الجملة العنوانة لا تُنتَج إلا مسجَّعة مُجنَّسة، ما أفقدها بريقها السيميائي، وقلّل من شأن قصديتها، وإنتاجيةِ الدلالة فيها؛ لأنَّ ما أسمّيه بـ(العنونة الذيليّة التفسيرية) التي كانت تلي العنوان الرئيس، وتظهر معه مكانيّا وزمانياً في فضاء العنونة، قتلت وظيفة الإغواء التي كانت تُنتجها عنوانات مثل (معجز أحمد) وغيرها، كما هو الحال في عنوان كتاب (الصبح المُنبي عن حيثية المُتنبّي) المُشار إليه سابقاً.