غريب إسكندر.. توازن الموت والحياة

ثقافة 2024/06/03
...

  ملاك أشرف

لم يغن الشاعر غريب إسكندر كثيرًا في منفاه وفجره الغريب، بل صمته الفريد هو أبلغ أغنية يمكن سماعها أثناء الحضور في أيامه وفراغه الهامس.

ظلت هويته باهتة نتيجة رحلته المبكرة نحو العدم، كان يعيش فيما مضى على الآمال والمسميات المرتقبة إلى أن تقدم بهِ العمر وامتصت الحياة بريق عينيه وفرحه المتواصل، إذ ليس أمامه اليوم سوى النجاة والفرار من خداع الزمن وظلامه الدامس.

أجدُ في كتابه الشِّعريّ الذي يحمل عنوانًا رمزيًّا "أفعى كلكامش" مقاطع تؤكد غربته وانسحابه المُفاجئ، حيث يمضي محاولًا أن يتقبل الأحداث ويتجرع النهايات فيكتب بينما يلاحقه صوت الفجر الموثوق ما يلي: "هذا هو الحلُّ/ أن تسطعَ بما ليس لك/ أن تباركَ النهايات/ أن تقولَ لا وجود هُناك/ أنا كنتُ هُنا/ وأنت كنتَ هُناك/ كلانا تشفّع بموته/ كلانا أمر الفجر بالانزواء".

إن الكتابة المؤثرة والخالدة تتطلب الاختلاء والانزواء أطول فترة مُمكنة.

يخدع إسكندر القارئ حين يقول في قصائده إنه لم يسمع صوت الريح وهو مستمعٌ جيّد للطبيعة، يلامسُ رمالها ويلجأ إلى أشجارها، حالمًا أن تتحقق الأماني المكومة في الليل بأقرب وقتٍ خالٍ من الأوهام.

يشعر بالهدوء في خلوتهِ وسباته الاجتماعيّ؛ ممّا يقوده هذا الهدوء إلى بهاء الشِّعر وعمق الفكر، ألم يكن له نصيب من اسمه؟ نعم لديه اغتراب مُنتج لا يشبه اغتراب الآخرين التافهين؛ لذلك لم يستطع التوازن بين الحضور والغياب، بين لون الموت ولون الحياة على الرغم من دموع العيون وآهات الشفاه.

كتب مقطعًا بمعانٍ واضحة دون مُراوغة لفظيّة أو بلاغة تعبيريّة طاغية، استعمل فيه أسلوب النفي والتحذير ثمَّ ألحقه بالاستفهام المجازيّ والرفض، كتبه على لسان امرأة مجهولة - بالنسبةِ لنا- كالآتي حينئذٍ: "لم تستهوني الدمعة/ لم يستهوني الفمُ الذي ينشج/ ولا العينُ التي تذرف/ ها قد أصابتكَ المحنةُ الأزلية/ ما هو لونُ الموت إذن؟/ وما هو لون الحياة؟/ إما أن تقول نعم نعم/ للغياب كُلّه/ وإما أن تقولَ لا لا/ للحضور كُلّه/ هذهِ هي صرختكَ الأخيرة".

يتحدّث إسكندر عن أهمية أن تكون وحيدًا بشكلٍ مُباشرٍ وأحيانًا غير مُباشر، إنه يُلمح إلى إحساس الرجل بالوحشة التي تمجّدها الغربان، يتكلّم عن الهشاشة والبرودة المُباغتة، عن الحجرة التي تحميه من الأمطار من جهة لكنها تعيده إلى الذكريات الجارفة من جهة أُخرى.

يذكرنا بذلك الوطن العربيّ البعيد الذي يحكمه باعة الشعارات الذين يعزفون فيه لحن الخراب بإتقان، ولعلّها ذكريات خاصّة لن تفارقَ ذهن الشاعر ببساطة أو بمُجرّد الاتصال بالنسيان، الذاكرة لا تمحو شيئًا من المنفى، المنفى هو وجود مُضاعف لما كُنّا قد خزناهُ على حدِّ تعبيره.. يكون الحنين فعّالًا ومُتدفّقًا في المنافي الطارئة والمُتحجّرة؛ لذلك أشجانه ما زالت مُستمرّة في مدينة الضباب حتّى الآن مع عدم وجود أضواء تكشفها لجميع من حوله بما فيهم الغرباء.

"لم تمحُ الأمطارُ بعدُ تواريخها/ فهل أحتاج إلى قنديل نار؟/ ليس الضوء/ ليس الموسيقى التي تنبعُ من رحمِ الكلمة/ لقد كنتَهُ يومًا ما/ ذلك البعيد/ ذلك الذي يتجذّرُ بالحلم/ لقد كنتَهُ"، هكذا قال إسكندر في مكانه المكتنف لتلك الكلمات الحكيمة التي تأبى أن تضيق أو تتلاشى في يومٍ من أيّام العطش والسراب.

يرى أن اختياره شخصيّ بحت وأن قراراته الأدبيّة لا تخصّ أحدًا أبدًا، رُبّما الأزهار البيضاء القريبة من نافذتهِ وحدها من تشهد على انكفاءه النفسيّ ومعناه المخذول، يدرك في كُلّ مرّة ينتابه اليأس فيها أن لولا العتمة لما عرفَ النور، يضيءُ وينطفئ كالنجم البعيد، كالشمع القديم. 

ينتظرُ كمن ينتظر غودو، ينتظرُ اللا شيء لأنّهُ شاعرٌ يؤخّر الموت حتّى يكتب قصيدةً لم تكتب بعد، قد تكون قصيدة عن عزلته الجميلة والمُميتة في الوقت ذاته أو أنشودة تتعهد بما هو لم يولد بعد.

شكّل المكان حيّزًا واسعًا في تجربتهِ الشِّعريّة، حيث يحلم بالعودة إلى بغداد واسترجاع طفولته الذاوية على أرصفتها العتيقة ومناطقها العريقة، يكتب مُناديًّا نهر دجلة بـ "أيّها" ليتبعه بالحرف المُستقبليّ "لن" والحرف الاستدراكيّ "لكن" التالي: 

"أيّها النهر/ لن أرسمَ منفاي فيكَ/ ولن أكتبَ بوحكَ في غرفه الباردة المُظلمة/ لن أقولَ لكَ وداعًا/ فلا تنتظر منّي دمعة أو زهرة/ أو نشيدًا". 

ثمَّ يستأنف كلامه قائلًا بحسرةٍ خانقة وتسويغ معقول: "لكنني سأتبعُ موتي فيكَ/ وسأحدقُ في مراياك الكثيرة/ بعينين زائغتين/ كي أتذكرَ/ كيف كُنّا نلعب قربكَ/ نجمعُ حصى النسيان/ نعدُّ أزهاره وأشواكه في سلة واحدة؛/ أيّامنا الغضة كحبات ماء/ طفولتنا التي ذوت سريعًا" بات الشتاء في قلبه بعد مُغادرته بغداد، ارتجف وذبل من دون ثلج مثل نرجسةٍ منسيّة، أصبح الشِّعر مدفأتهُ الحميمة في النهاية. 

ولد غريب إسكندر في بغداد عام 1966، درس الأدب العربيّ في أهمّ جامعاتها وحصل على شهادة الماجستير والدكتوراه في الأدب المقارن. 

يعيش في لندن ويترجم بشكلٍ عذبٍ وأنيق قصائد لأبرز الشُّعراء الإنكليز اليوم. 

أثرت مدينة مثل لندن وغيرها من مدن الغرب في روحه وأشعاره، فالمكان جزء لا يتجزّأ من "أنا" الشاعر كما أنهُ ضربٌ مُهمٌّ من مُغامرة اللُّغة ومواقفها، يكنُّ المعنى لهُ بالكثير.

المكان هو خالق ثقافة بالنسبةِ إليه لاسيما إن كان مكانًا مثل لندن الشاعريّة والعالميّة، المليئة بالمعارض الفنيّة، المسارح والمتاحف، يرى أنهُ يحتاج إلى أكثر من زمنه الحقيقيّ ليستطيع مُتابعة الأُمسيات، المؤتمرات والندوات وكُلّ ما يتمناه المرء. 

ما ينقص العالم العربيّ بالطبع هو الإحساس بأهمية الثقافة وأهمية الانفتاح والاستفادة من العالم، هذا ما يقوله الشاعر.

حاول العودة إلى تراث اللُّغة القيّم وقد نجح إلى حدٍّ كبيرٍ في ذلك، فلم يندفع مُباشرةً إلى بعض الحداثة الهجينة، بل نجده مُتأثرًا بالشُّعراء الحقيقيين الكبار ونتلمس اشتغالاته الجادّة والحذرة في بناء القصيدة وصورها المُنسجمة مع بعضها بعضًا على الدوام.

يجدر القول إنهُ انفلتَ من اليقين الأعمى والجهل المركب، اللذين يسودان في الثقافة العربيّة على نحوٍ بائسٍ وخاصّة الثقافة العراقيّة في الآونة الأخيرة، أثبت نفسه بامتياز من خلال القراءة المُتعمّقة المُتبصّرة إضافة إلى الكتابة الفلسفيّة المُشرقة، الّتي برع فيها واتضحت جليًّا في جملهِ الشّذرية والإيحائيّة الجذّابة. 

يبالغ إسكندر في مُطالبتهِ بالكمال ويضيف للشِّعر ثروة وغنى سواء أكان ذلكَ عن طريق إيقاعه النقي أو لهيبه العاطفيّ أو وعيه المُتزايد في كُلّ خطوة يخطوها نحو منافذ الحياة الفظيعة، هُناك ما ينبغي أن أسميه التطور والرقي في استرساله الشِّعريّ الحُرّ والمهيب ولُغته السرديّة الرصينة، الزاخرة بالتأكيدات والأحكام المُوجزة. كان عليه أن يتغرب لتكتسب صوره الشِّعريّة بلا شكَ هذا الألق والثراء.

يُشبه القصيدة بقلب العاشق الذي لا شكل له ولا ظلّ واحد له وهو تشبيه دقيق يبعدنا عمّا يُسمى بمأزق الشكل الواحد وشراسة الدفاع عن الثيمة المُحرّمة، يظنّ أن الشاعر يخبرنا بما يريده منذُ ديوانه الأوّل حتمًا، ولا حاجةَ للقارئ أن يتصفحَ كُلّ ما كتبهُ من أجل أن يتعرف إلى شخصه وطبيعة شِعره، يكاد يجزم بأن ليسَ لبعض الشُّعراء إلّا فكرة واحدة يكرّرونها دائمًا وأبدًا ولا يملون من تسجيلها. حيث كتب ذات مرَّة: "يلتقي كلانا بما يموت/ يلتقي كلانا بما يولد/ وكلانا سيعبر الحلم طافيًا بالليل كُلّه/ كتابٌ مفتوحٌ كالأبد/ هذه الشجرة الكونيّة/ حيث الشعر، كُلّ الشِّعر/ ليس سوى قصيدة واحدة".

يغلب على شِعره وأسلوبه طابع الحزن الشفيف والاِلتقاط الفطن، فهو مُراقب جيّد للحياة والصلات بين الآداب عمومًا كما أنه شخص ذو ذوق رفيع، ظلّ يحتل مكانةً عالية ومُرهفة في الأدب العربيّ المُعاصر، لن يتمكنَ أيّ أحد من الوصول إليها بسهولة.

تنبثق قصائده من أعماق وجدانه الحيّ المُفرط في الإنسانيّة والشعور، يكتب ويترجم بوصفهِ مُفكّرًا وباحثًا عن الجمال، يشارك للعامة الإبداع البهيّ واللحن الشجيّ غير المألوف، الذي انطلق من شاعر هادئ ومتأمّل بعيدًا عن الإحساس المُفتعل والاشتغال البارد الجاف، يحيا إسكندر مرّتين، مرّة عبر الشِّعر ومرَّة عبر ترجمة الشُّعراء الخلاقين المُدهشين. قلّما نجد شاعرًا يكون على الصعيد الإنسانيّ في مستوى إبداعه، إنه أنموذج للمُثقّف النادر حقًّا اليوم، لم نعهد مثله كثيرًا من قبل.

يخرج من بيتهِ إلى أزقة المدينة ويتساءل مَن يُطفِئ جرح الصدر المُترقرق بين القميص الزاهي؟

ما الذي يُقلل من تعب الكتابة بين اليدين؟يرمق نهر التايمز ساكنًا بلا إجابة، فيسير ويسير بحثًا عن الإجابة دون انتهاء. يقول جيسواف ميوش: غاية الشِّعر أن يذكرنا كم هو صعبٌ أن نبقى شخصًا واحدًا لا غير.