وصمة السجن تلاحق النساء بعد الإفراج

ريبورتاج 2025/02/03
...

   بغداد: مآب عامر

عندما أُطلق سراح أمل (اسم مستعار) من التوقيف بالسجن، بعد أن مكثت داخله ما يقارب الـ 8 أشهر حتى ظهور براءتها عبر سلسلة من التحقيقات الجنائية، تغيرت حياتها بشكل كبير. 

تقول أمل البالغة من العمر 33 عاماً، إن "الأشهر التي قضيتها في التوقيف نتيجة اتهامي بمساعدة صديقة لي على الهرب من أهلها أو باختطافها غيرت كل شيء في حياتي، فصار الكثير من الذين أعرفهم يتجنبون الحديث أو التعامل معي، حتى تصورت أنني لم أعرفهم أو أعش معهم في يوم من الأيام".

"لكن الأكثر إيلاماً"، تضيف أمل: تلك المضايقات التي كنت أتعرض لها عندما يعرف أحدهم بأنني خضعت لتجربة الحبس أو التوقيف بمركز للشرطة، حتى يبدأ بالتعامل معي وكأنني سيئة الأخلاق أو شخصية غير متزنة، أو يحاول ابتزازي. 

لا تزال أمل تحاول أن تتكيف مع نظرة المجتمع تجاهها، وتأمل في التخلص من وصمة السجن. ومع ذلك ولكنها كما تتابع: على الرغم من أنني لم أكن جانية وأثبتت براءتي بعد أن تم إسقاط التهم الموجهة ضدي، إلا أنني ما زلت لغاية الآن أدفع ثمن دخولي للحبس، فالإفراج عن المرأة حتى لو خاضت تجربة الحبس لليلة واحدة وحتى وإن كانت بريئة لا يعني أنها ستعود لحياتها الطبيعية بسبب نظرة المجتمع السلبية. 


وصمة السجن

معاناة "أمل" ليست جديدة مقارنة بغيرها من اللواتي دفعتهن الظروف لخوض تجربة الحبس أو التوقيف، أو الاعتقال، حتى لو أثبتت براءتهن فإن وصمة العار ستلاحقهن هن وأسرهن، مع عدم قدرتهن على تمكين أنفسهن للبدء بحياة جديدة طبيعية ومستقرة. ووفقاً للناشطة الحقوقية انتصار الميالي، فإن نظرة المجتمع تبدو قاسية، إذ يحكم على المرأة وفقاً لأي خطأ ترتكبه عبر إنهاء حياتها أو التقليل من كرامتها وعدم احترام إنسانيتها، وهذا الأمر واقع حال فكيف إذا تعلق الأمر بالسجينة أو ممن خاضت هذه التجربة الصعبة. 

تُرجِع الميالي أسباب ذلك إلى العادات والتقاليد والخوف من وصمة عار السجن التي تلحق أفراد أسرة السجينة وعشيرتها. ووفقاً للناشطة الحقوقية، فإن هذه الأحكام تتنافى مع قيم ومبادئ وتاريخ العراق، وتتعارض مع الدستور والتشريعات القانونية وحقوق الإنسان وأيضاً مع التزامات العراق الدولية، لذا تتطلب -لأهميتها- برامج خاصة لدمج النساء بعد خروجهن من الحبس مع المجتمع وأفراده، على الرغم من وجود تشريعات قانونية تكفل الحقوق.

وترى الميالي أن منظمات المجتمع المدني تعمل على تثقيف المجتمع بهذا الأمر، ولكنها غير كافية؛ لأن الأمر يحتاج إلى شراكة كبيرة ومعالجات وبرامج نفسية واجتماعية تثقيفية. 

وتسرد الميالي، قائلة: من الممكن للرجل الذي يخرج من تجربة الحبس أن يبدأ حياته من جديد ويعيش وكأن شيئاً لم يكن، ولكن المرأة لا يمكنها ذلك، بل تبقى على مدى حياتها تحمل وصمة السجن.


الصحة النفسيَّة 

وتؤثر تجربة الخروج من الحبس في وضع المرأة الصحي والنفسي وحتى الاجتماعي والثقافي، نتيجة لصعوبة تسامح المجتمع معها، فتكون عرضة للنقد والرفض والنبذ، كما يذهب المستشار الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة الدكتور عدنان ياسين محمد.

ويشير المستشار الوطني إلى أن من تأثيرات هذا الموضوع في الحالة النفسية للمرأة، هو انخفاض كبير في ثقتها بنفسها والشعور بالإحباط والرفض، وبالتالي تراجع تقديرها لقدراتها وذاتها، وكذلك لشخصيتها، أما النقطة الأخرى فهي الإصابة بالاكتئاب والقلق الشديد والخوف والرهاب من المستقبل، ومن إمكانية إعادة حياتها وثقتها، وكذلك قد تصاب بالعزلة الاجتماعية فتجد صعوبة في استعادة علاقاتها السابقة أو بناء صداقات جديدة نتيجة النظرة السلبية. 

ولكن.. كيف يتم دعم المرأة في هذه الحالة؟ وفقاً للمستشار الوطني للصحة النفسية في الوزارة، فإنه بعد العمل على توعية المجتمع لتغيير النظرة السلبية عبر حملات التوعية تكون هناك أهمية في العمل على المستوى الشخصي لهذه المرأة في بناء القدرات والدعم النفسي وتقديم العلاج من خلال أطباء ومعالجين نفسيين لمساعدة المرأة على معالجة الأثر النفسي من تجربة السجن وتداعياتها. 

ويفقد الكثير من اللواتي دخلن الحبس أعمالهن أو وظائفهن، وتتردى أوضاعهن المادية بعد الخروج من هذه التجربة، لهذا من المهم التركيز على أصحاب الشركات والأعمال الاستثمارية والتجارية وإقناعهم بتوظيف هذه الشريحة من النساء لتمكينهن من بناء حياة جديدة والعيش بشرف وكرامة. 

لكن الأمر الأساسي الذي يراه الدكتور عدنان ياسين محمد هنا، هو في أسرة هذه المرأة من خلال تشجيع أفرادها على دعمها عاطفياً وتوفير بيئة آمنة لها لتشعر بالانتماء من جديد.

من المهم جداً، بحسب اعتقاده، أن يتم تغيير السياسات المعنية بهذا الأمر كافة، والعمل على تعديل التشريعات القانونية التي تعزز العدالة، أي مفهوم التصالح بدلاً من وصم الأشخاص بعار طويل الأمد قد لا يكون موازياً للفعل المرتكب، وهذا يتطلب تعاوناً كبيراً بين المجتمع وكذلك بين المؤسسات الحقوقية والجهات الحكومية لكي يتم دمج النساء اللواتي خرجن من السجن بشكل سليم، وبعيداً عن الوصمة والتمييز عن بقية أفراد هذا المجتمع. 


الرعاية اللاحقة 

ومن منطلق "ليس كل من دخل السجن بالضرورة يكون مجرماً" تدخل أسماء نزيلات السجون بعد الإفراج عنهن في سجلات خاصة بالرعاية اللاحقة في الشرطة المجتمعية، كي يتمكن أفراد هذا التشكيل من عمل زيارات خاصة لأماكن سكناهن والإطلاع على حياتهن وما يتعرضن له، غاية في مساعدتهن وتقديم الدعم اللازم لهن، كما يقول العميد في وزارة الداخلية نبراس محمد علي. 

وقد التزمت التشريعات العراقية بقواعد الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها المرقم (70/175والمؤرخ في 17/كانون الأول/2015) وضمنت في الفقرة العاشرة من المادة الأولى من قانون إصلاح النزلاء والمودعين رقم 14 لسنة 2018، والذي ينص على (رعاية المودع أو النزيل بعد انتهاء مدة حكمه بما يضمن اندماجه في المجتمع وعدم عودته إلى الجنوح، ويعد الإجراء المكمل لتأهيل المؤسسة العقابية والوسيلة العملية لتوجيه وإرشاد ومساعدة المفرج عنه على سد احتياجاته ومعاونته على الاستقرار في حياته والاندماج والتكيف مع مجتمعه عند عودة المحكوم عليه إلى المجتمع الخارجي الذي غاب عنه نتيجة للفترة الزمنية التي أمضاها في السجن، ويترتب على رعاية المفرج عنهم رعاية إنسانية واجتماعية أهمية كبيرة في نجاح التأهيل الاجتماعي واستمراره وتحقيق أهداف السياسة العقابية الحديثة ضماناً لحماية المجتمع من مخاطر عودة المجرم إلى الجريمة ثانية).

ويرى العميد نبراس أن هناك طريقة أخرى تتبعها الوزارة لدعم النزيلات بعد خروجهن من السجون وهي تصدير الحالات الإيجابية ومساندتها كقدوة وإبراز نجاحاتهن، لأن هدفنا بالأساس هو البناء المجتمعي تأهيلاً للجيل القادم.  


ولكن أمل لا تزال تنتظر كما غيرها من اللواتي خرجن من الحبس ذات يوم أن تعود حياتهن كما كانت طبيعية ومستقرة، فبينما يثبت القانون براءتهن والإفراج عنهن، ينتابهن الخوف والقلق من المستقبل لعدم قدرة هذا المجتمع على أن يبدل نظرة أفراده تجاه هذه التجربة.