{صرة قديمة}

اسرة ومجتمع 2023/05/20
...

ثمة حدث أو حكاية ما زالت عالقة في ذاكرتي، منذ ايام الصبا لا أدري لماذا؟ ربما لما تضمنه الموقف من دلالة واقعية جعلتها ترسخ في الذاكرة ولا تتركها، أو لربما لتلك الصورة الرائعة، التي رسمت جزءا من مسيرتي الاسرية في ما بعد، حينما اتت أمي «بصرّة قديمة»، قدمتها بيديها الناعمتين لأبي، كان موقفها هذا اذا لم تخني الذاكرة لتكملة بناء المنزل، الذي سيأوي العائلة ويمنع سيل ماء وجهها في الايجار أو التنقل من مكان لآخر، لا سيما بعد أن توقف لاسباب مادية جعلت الاب البسيط عاجزا عن تكملة ذلك المنزل، لضعف حالته المادية، والذي سيكون ملكا لنا مستقبلا، فتح ابي الصرّة فاندهش بقطع ذهبية تعود لايام الخيرمن مصوغات عرسها، وكانت لا تزال محتفظة بها، على الرغم من مرور ما يقرب من الثلاثين عاما، فكانت فرحة أبي لا توصف عندما انقذته صاحبة القلب الحنون في عرضها الذهبي، فكان بخاطرها تطبيق المقولة الشهيرة «الذهب زينة وخزينة».

هذا المبدأ شعار أغلب النساء في الزمن الماضي، وقد يكون مطبقا الى الآن، بطرق متعددة واساليب ناضجة في السخاء والكرم والتعاون بين الازواج، دون أن يصيبهن الزعل او الحسرة على مافرطن بخزينتهن الذهبية، لأن كل الامور تهون عليهن، اذا ما كان الزوج يقدر تلك التضحية والموقف، ويحسب لها حسابها التقديري، فكل ذلك يعدُّ من اساسيات الاسرة الناجحة والمتعاونة في بناء حياتها بطريقة هادئة ومتماسكة، للتغلب على كل التداعيات التي تمر بها، وحتما ستكون الحياة بهذا التماسك مبنية على اساس متين وقوي، ينعكس بالتالي على افرادها وتفكريهم وسبل بناء حياتهم المقبلة.

فأغلب الحكايات والقصص القديمة التي عرفناها على افواه الجدات والأمهات تتشابه في مضمونها العام حينما يمر على مسيرة الأسرة موقف أو أزمة بحاجة إلى حل أو منطلق، لتتعدى ذلك بمنتهى السهولة، ونسمع أن الادخار سواء كان مالا أو ذهبا، هو يأتي بنفعه في اليوم الاسود كما وصفوه زمان، لذا اتت كل القصص بموقف ايجابي حيال العيش والضمان وراحة البال، وقد تعلمنا الكثير من تجارب أمهاتنا وجداتنا في تلك الحالات، وكانت اسوة حسنة لمسيرة حياتنا المليئة بالحاجات الضرورية والمهمة، التي لا بد من توفيرها، تماشيا مع التطورات الجارية والملزمة في جعل الامور تسير بشكل اعتيادي، وكل ماذكرناه هي دروس وتجارب من الماضي، لها وقعها في النفوس وفي حيثيات المواقف التي تتطلب أن نكون بمستوى المسؤولية في كل المواقف وما اكثرها في هذا الزمن القاسي أحيانا.