قمة العشرين والحرب الاقتصادية

العراق 2019/06/29
...

صالح الشيخ خلف
 
انتهت الاسبوع الماضي في مدينة اوساكا اليابانية قمة العشرين وسط حرب تجارية غير مسبوقة واهتمام عالمي كبير بما ستخرج به من نتائج .
القمة انتهت كما بدأت بابتسامات ولقاءات جانبية بحثت قضايا مثيرة للجدل تتعلق بالتجارة والتوترات السياسية التي تجتاح العالم والتغيرات المناخية. العدسات كانت تلاحق الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي اراد ان يكون اكثر اتزانا خصوصا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بيغ . هذه العدسات سجلت حركات الجسد عند الرئيس ترامب وهو يصافح نظيره الصيني بينما سجلت قوله للرئيس الروسي لا تتدخل في الانتخابات الاميركية بعدما تقدم بوتين بحذر لمصافحة ترامب لكن الاخير سحبه وكانه اراد ان يقول له لا تخف تقدم اكثر ، في حين ظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وهو يهمس في أذن ترامب قبل انعقاد الجلسة الافتتاحية. اما الرئيس التركي رجب طيب اردغان فانه حاول تغيير مكان وقوفه في الصورة التذكارية من جانب الرئيس الروسي الى جانب الرئيس الاميركي، بينما وقف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في وسط الصورة التذكارية حيث يقف الرؤساء على خلاف مكانه في حاشية الصف الخلفي خلال قمة العشرين الماضية. 
لم تتسرب الكثير من التفاصيل عن المواضيع التي بحثت خلال اللقاءات الجانبية لكن الاتفاق الاميركي الصيني بشأن التعرفة الجمركية وشركة هواوي ربما كان الاكثر اثارة خلال هذه القمة، اضافة الى التصعيد في المنطقة الخليجية وتداعياته على امن الطاقة بعد خروج واشنطن من الاتفاق النووي مع ايران .
وعلى الرغم من اهمية القارة الاوروبية للولايات المتحدة من الناحية الجيوستراتيجية، الا ان الاهمية الجيوسياسية للشرق الاوسط لواشنطن تجعل هذه المنطقة في اولويات السياسة الاميركية. 
التغيير السياسي الذي حصل في ايران العام 1979 اثر بشكل واضح في المعادلات وقواعد اللعبة التي كانت سائدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في منطقة الشرق الاوسط. التغيير السياسي وما تبعته من قفزة اقتصادية وصناعية كبيرة في الصين منذ بداية التسعينيات خلق نزاعاً جيوسياسيا جديدا بين واشنطن وبكين بدأت تظهر معالمه كقضية معقدة وشائكة اخذت معها اصطفافات سياسية وامنية واقتصادية داخل الاسرة الدولية .
ومنذ تسلم الرئيس الاميركي الرئاسة الاميركية دخلت الولايات المتحدة في “حرب تجارية” مع الصين . هذه الحرب اخذت في الاتساع لتشمل العديد من الدول ومن ضمنها ايران اضافة الى تأثيرها في السياسة التجارية الصينية في اسيا . وان التوتر الحاصل في المنطقة الخليجية بين ايران والولايات المتحدة ربما كان بسبب علاقة الصين بالقارة الهندية واسيا الوسطى . وان التصريح الاخير للرئيس ترامب بشأن امن الطاقة في المياه الخليجية وتوجيه هذه التصريحات للصين واليابان يؤكد التصور الذي يذهب الى ان النزاع في المنطقة الخليجية يتعدى الى حد بعيد النزاع الايراني الاميركي .
اهمية بحر عمان لا تقتصر على ايران والدول الخليجية وانما ترتبط بالباكستان ايضا التي تملك على حدودها الجنوبية المجاورة لايران ميناء جوادر التي سعت الصين الى اعادة تأهيله ليكون لها منصة بحرية ضخمة ترتبط بمنطقة غرب الصين بالطرق البرية وسكك الحديد حيث تفكر الصين ببناء قاعدة بحرية بالقرب من الحدود الايرانية لتكون على مقربة من مضيق هرمز لجعل بحر عمان حلقة وصل في الشرق الاوسط والقارة الهندية وشرق اسيا والذي تريد الصين من خلاله اعادة احياء “طريق الحرير” . وقد عملت الصين خلال السنوات السابقة على تأهيل  البنى التحتية لهذا المشروع في اسيا الوسطى بالشكل الذي تجعل ايران القريبة من ميناء جوادر حلقة الوصل الجغرافية والانسانية لهذا الطريق . 
التصريح الذي صرح به مساعد وزير الخارجية الصيني بعد الانتهاء من اجتماع فينا الذي بحث صمود الاتفاق النووي يوم الخميس الماضي بشأن عدم قبول بكين بالحظر التي تفرضه الولايات المتحدة على النفط الايراني يأتي من ستراتيجية تتبناها الصين في مشروع “طريق الحرير”  الذي يهدف ايضا الى الحصول على النفط مباشرة بواسطة ميناء جوادر الباكستاني بديلا عن مضيق ملاكا الواقع بين ماليزيا واندونسيا الذي تستورد الصين من خلاله معظم احتياجاتها من النفط .
الولايات المتحدة والصين يعلمان بشكل واضح ان ايران ستكون خلال القرن الـ 21 مركزا جيوسياسيا مهما وان الضغط على ايران من قبل واشنطن يهدف بالدرجة الاولى الى محاصرة الصين وافشال مخططها التجاري والاقتصادي الطموح . وبعبارة اخرى ان “الحرب الاقتصادية” كما عبر عنها محمد جواد ظريف وزير الخارجية الايراني التي تشنها واشنطن على ايران يجب ان توضع في احدى محطاتها في اطار النزاع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين.