نبيه البرجي
ذاك مكان تموت فيه اللغة ،ويموت القلب ،ويموت التراب ،ويموت التاريخ . أكثر من أن يكون هولاكو قد مرّ من هنا . كل آلهة النار في الميثولوجيات القديمة مروا من هنا. لا خيال يستطيع أن يستوعب ذاك المشهد في جنوب لبنان . مكان لبكاء الحياة . ربما لبكاء ما بعد الحياة . هكذا ماتت فتاة الزنبق في قصيدة ت . س . اليوت "الأرض الخراب" !
عبثاً تبحث هنا عن الموتى . لا أثر لهم لا في الأرض ولا في السماء ؟ ظلوا يموتون ،ويموتون . حتى لم يبق من أثر لا للموت ولا للموتى . أيها التشيكي فرانز كافكا حين تقول "لقد حطموا قلب القمر" . أيها الياباني ياسوناري كاواباتا وأنت تجثو للصلاة أمام تلك الهياكل العظمية الصفراء في هيروشيما . أيها الاسباني بابلو بيكاسو الذي انكسرت ريشته ،وانكسرت روحه ،عندما انتهى من لوحة الغرنيكا . تعالوا كلكم الى هنا لرثاء تلك الأشياء التي تحتاج الى رثائنا . أولئك الناس الذين يحتاجون الى رثائنا . الرثاء المرّ ...
ماذا عساك تقول للينابيع الميتة ،لأزهار الاقحوان الميتة ،لأشجار الزيتون الميتة ؟
لا شيء . لا شيء . فجأة تشعر أنك الموت الذي هناك . ثم يأمرك دونالد ترامب بأن تمد يديك اليهم . أية يدين (حتى أيدي الموتى ) نمدهما اليهم ؟
في تسعينات من القرن الفائت،تحدث المفكر الفلسطييني ادوار سعيد عن "جيوبوليتيكا التوراة". في الميتولوجا العبرية ،كان يهوه يرشق السابلة ،من كهفه ،بالحجارة. الآن ،بدل الحجارة الرؤوس النووية . هذا ما حمل الخبير الاستراتيجي الفرنسي جورج بوي على القول باستحالة اندلاع أي حرب في الشرق الأوسط قبل أن يتحقق التوازن النووي ،أو التوازن اللانووي. ولكن هل يمكن ألا تكون هناك صرخة وألاّ تكون هناك رصاصة في وجه ايديولوجيا القهر والاقتلاع والترحيل ؟ لاحظنا أن وزير التراث الاسرائيلي عميحاي الياهو دعا الى القاء القنبلة على غزة التي لم نر فيها القاذفات ،ولا الدبابات ،وانما فقط أولئك الرجال الذين قالت صحيفة "اسرائيل اليوم" ان رؤوسهم أقرب ما تكون الى الرؤوس النووية ...
الثابت أن بنيامين نتنياهو يزمع اقامة منطقة عازلة بين لبنان واسرائيل ،على شاكلة المنطقة التي أقامها داخل الأراضي السورية ،كما لو أن مرتفعات الجولان لا تكفي ،وكذلك الجزء السوري من جبل حرمون . لكنها حلقة من حلقات "جيوبوليتيكا التوراة" وحيث يفترض بالشرق الأوسط أن يدور حول الهيكل اذا ما عدنا الى النائب ماتان كاهانا الذي دعا العرب الى ركوب القطارات التي تحملهم الى سويسرا "ليتذوقوا حلاوة العيش". هو يعتقد أن "ثمة أوكسيد كربون بشري ويدعى العرب" ،ما "يستدعي ازالتهم لكي نخلع الخوذات عن
رؤوسنا" .
أهل الجنوب زحفوا الى أرضهم، واجهوا الميركافا بصدورهم العارية، ليبدي ايهود باراك ،رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق والجنرال الذي تتكدس على صدره أكبر كمية من الأوسمة ،استغرابه لكون زعيم الليكود لا يزال يدق على باب جهنم !
المشكلة في الداخل اللبناني في صراع الديكة (أم في صراع الغربان؟) .
تلك الحرب الهائلة لم توحد أركان المنظومة السياسية حول رؤية مشتركة للبنية الايديولوجية ،وللبنية الاستراتيجية ،لتلك الأرمادا العسكرية التي تجثم عند الحدود الجنوبية للبنان . لكنه بلد الأزمات الأبدية والتسويات الأبدية . المطران جورج خضر أطلق وصفاً تراجيديا ًللبنان "واقع ركام لا واقع جماعة" .
نقص هائل في الديناميكية التفاعلية في بلد احتار الشاعر ،والسياسي ،الفرنسي لامارتين ما اذا كان "أريكة القمر" أم "أريكة الآلهة" .
لا شك أن الزلزال السوري أدى الى حدوث تغيير دراماتيكي في المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. هذا ما ينعكس تلقائياً على لبنان . الأديب اللبناني سعيد تقي الدين كتب عن "الواو الكافرة بين لبنان وسوريا" . الواقع بين لبنان وأي دولة عربية أخرى . في هذه الحال ،لماذا لا تكون المظلة العربية فوق لبنان ،دون أي مظلة اقليمية أو دولية .
على رأس الدولة الآن العماد جوزف عون ،وعلى رأس الحكومة القاضي نواف سلام .
رجلا الأيدي النظيفة والرؤوس النظيفة . يعلمان أن لبنان يقع عند نقطة التقاطع بين خط الزلازل وخط الحرائق في المنطقة .
البلاد بحاجة الى سلسلة من الاصلاحات البنيوية لتشغيل آليات التفاعل بين سائر المكونات السوسيولوجية لا البقاء على تخوم الاحتمال . ثمة ديوان لسعيد عقل بعنوان "لبنان ان حكى" . لو رأى المشهد الجنوبي لكان العنوان "لبنان ان حكى .. بكى" !!.